06 سبتمبر 2006

جريدة السفير: حوار سياسي شامل مع أمين عام «حزب الله» حول تداعيات حرب يوليو/تموز

- هل هناك خوف من تضييع الانتصار في الزواريب الداخلية اللبنانية؟ كيف تحتسبون النصر بالمقارنة مع الكلفة البشرية والاجتماعية والاقتصادية والإعمارية؟

بالنسبة إلى الوضع اللبناني، المشكلة الرئيسية هي ماذا نعتبر ما جرى أو ما آلت إليه الأمور، هل نعتبره نصراً أم هزيمة. وإذا اعتبرناه نصراً، فما هي حدود هذا النصر وقيمته حتى تصح مقايسة النصر بما قدم من تضحيات. وبالتالي يمكن أن نقول إن هذا النصر أخذت التضحيات من وهجه أو لم تأخذ، هذا هو مفتاح النقاش لكل هذه المسألة. ما يدعو إلى القلق هو الاختلاف في تقييم نتائج الحرب. وأنا برأيي أن الاختلاف في تقييم نتائج الحرب ليست له أسباب موضوعية وإنما ينطلق من الخلفيات السياسية أو المذهبية أو الطائفية، بالنسبة للكثير ممن يقدمون آراء مختلفة في هذه المسألة. لو ذهبنا بعيدا في العالم العربي والإسلامي عند الكثير من الخبراء الإستراتجيين الذين يقرأون نتائج الحرب ومجريات الحرب بشكل موضوعي، سنجد إجماعا على انتصار لبنان وانتصار المقاومة. وحتى لو ذهبنا إلى الكيان الإسرائيلي نفسه وحسب متابعتي سنجد أن هناك إجماعا إسرائيليا على فشل إسرائيل في لبنان. هزيمة إسرائيل في لبنان. حتى «دان حالوتس» رئيس الأركان وفي إطار الدفاع عن نفسه هو تحدث عن قصور في المؤسسة العسكرية وتجنب الكلام عن التقصير. والحديث عن القصور هو حديث لتبرير الفشل. لكن مع ذلك في لبنان قد نجد قراءات مختلفة لما حصل. هذا يثير مشاعر القلق الذي أشار إليه السؤال بكل تأكيد. هنا قد تكون هناك نية مسبقة لتشويه صورة النصر تدريجيا ولدفع الآخرين أحياناً إلى الانفعال وأحياناً إلى الاستفزاز من اجل إضاعته نهائيا.

هنا استطيع القول إن مسؤولية لبنان الذي اعتبره منتصراً وإذا أردت أن أكون دقيقاً أكثر: ’لبنان المنتصر‘. ومسؤولية اللبنانيين الذين يعتقدون أن لبنان انتصر ومسؤولية اللبنانيين الذين يعتقدون أنفسهم شركاء في صنع هذا النصر من المسلمين والمسيحيين من كل الاتجاهات والطوائف والتيارات السياسية أن يعملوا على حفظ هذا النصر وعدم السماح بتضييعه في الأزقة المذهبية والسياسية والطائفية. هذه مسؤولية كبيرة وكما كان يقال الحفاظ على النصر أحياناً أصعب من صنعه. استطيع القول إن الحفاظ على النصر في أي مكان من العالم أصعب من صنعه لكنه في لبنان أصعب بكثير. اكتفي بهذا الجواب الآن.

- الآن في الجانب الإسرائيلي، كيف هي التداعيات على بنية إسرائيل الإستراتيجية في المنطقة. إسرائيل قبل 12 تموز، هل ستبقى إسرائيل بعده، هناك من كان يقول إن هذه المعركة هي معركة حياة أو موت. ما هي التداعيات على الموضوع الفلسطيني باعتباره المدى المباشر للمقاومة في لبنان؟

هذا يعود إلى تقييمنا لما جرى، كيف نفهم ما جرى، يمكن أن نتوقع نتائجه وتداعياته. يمكن هنا أن أقدم خلاصة في الشق الإسرائيلي واعتقد أن هذا النصر في كلمة عامة استراتيجي وتاريخي وبرأيي ستكون له تداعيات كبيرة جداً على المستوى الإسرائيلي الفلسطيني وعلى مستوى العالم العربي وعلى مستوى المنطقة. أظن أنه ما زال الوقت مبكرا لاستكشاف ولاستيعاب النتائج الإستراتيجية والتداعيات الكبيرة لهذا الانتصار. من فلسطين إلى العراق إلى إيران، بل حتى إذا تجاوزنا المنطقة العربية.

في سياق الجواب سأركز على الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني. بالنسبة للمعركة مع إسرائيل هي مسّت أسس المشروع الإسرائيلي والكيان الإسرائيلي، هذا الكلام ذكره كثيرون. عندما يقال كل دولة لها جيش إلا إسرائيل فهي جيش له دولة. الكيان الإسرائيلي هو جيش. هو معسكر. بالحقيقة هو ثكنة عسكرية كبيرة وضخمة. عنصر الأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة والأمل في الكيان الإسرائيلي هو الجيش. وثقة الشعب الإسرائيلي بالجيش الإسرائيلي وثقة الجيش الإسرائيلي بنفسه وهذه الثقة منشؤها قوة الجيش سواء القوة الواقعية الحقيقية أو المصطنعة في عيون أعدائه. أحياناً لا تكون قوة حقيقية بل اقتناع الطرف الآخر بأنه ضعيف ومهزوم وانه يواجه جيشا لا يقهر. الحروب العربية الإسرائيلية عززت ثقة الجيش الإسرائيلي بنفسه وثقة شعبه به. مثلا نحن نعمل قياسا على عدد وشعب وجمهور المقاومة المباشر في مقابل إسرائيل وجيشها. هم كانوا يعملون من اجل قياس إسرائيل في مقابل الأمة العربية والشعوب العربية وعملوا منها أسطورة.

في العام 2000 اهتزت الأسطورة ولكن إسرائيل اعتبرت أنها تحتاج إلى فرصة لإعادة ترميم صورة الجيش، وبشكل أو بآخر تم التشكيك بالنصر عام 2000 حصل تشكيك لبناني وعربي. وحتى بعض الزعماء العرب قال إن إسرائيل لم تخرج مهزومة من لبنان عام 2000 وإنما اقتنعت بتطبيق القرار 425 وتحدث آخرون عن صفقة لبنانية إيرانية سورية إسرائيلية. وذهب بعضهم أبعد من ذلك. ويمكن القول أيضاً عن انتصار ال2000 إن المقاومة التي تخوض حربا طويلة على مدى 18 عاما ونتيجة استنزاف طويل الأمد لجيش نظامي يمكن في نهاية المطاف أن تفرض على هذا الجيش النظامي أن يخرج. هذا نصر ولكن هذه هي حدوده. ليس له آثار إستراتيجية كاملة. لكن ما حصل الآن في هذه المواجهة إنه اثبت خطأ بعض ما كان يقال على طاولة الحوار في نقاش الإستراتيجيات الدفاعية وما قيل في الأيام الأولى. كان يقال إن المقاومة الشعبية تستطيع أن تحرر الأرض من خلال حرب استنزاف طويلة المدى لكنها لا تستطيع أن تصمد أمام اجتياح. ولا تستطيع أن تمنع احتلال البلد وسقوط البلد في قبضة الجيش الإسرائيلي.

جاءت هذه الحرب لتثبت قدرة المقاومة العالية على الصمود وتسقط أسطورة الجيش الإسرائيلي بلا نقاش. في العام 2000 كان هناك نقاش. الآن لا يوجد نقاش في هذه النتيجة. من الممكن أن المقاومة خلال 18 سنة حظيت باحترام كبير في العالم العربي ولكن لم تستطع أن تتحول إلى أسطورة حقيقية. بعد حرب ال33 يوما تبدلت المواقع: الجيش الذي كان أسطورة أصبح مثالاً للفشل والارتباك والضياع؛ والمقاومة التي توقع الكثيرون وراهنوا على سحقها خلال 48 ساعة أصبحت هي الأسطورة. هذا الأمر الأساسي الذي يقوم عليه الكيان وهذا ما فهمه «شيمون بيريز» بخبرته وتجربته الطويلة عندما قال "هي مسألة حياة أو موت". وهو الآن ما يناقش في داخل الكيان وإذا لم تتم معالجته بما يعني إقناع الجمهور الإسرائيلي بما يطمئنه ويعيد الثقة، فأنا اعتقد أن المجتمع الإسرائيلي سيكون أمام تداعيات خطيرة جداً على المستوى الأمني والمعنوي والاقتصادي والسياسي وحتى المستوى الديموغرافي، هذا يعني إذا فقد شعب هذا الكيان الثقة بجيشه الحامي الذي هو الحصن الحصين لهذا الكيان، فان الكثير من الاستثمارات ستغادر وتهاجر والمزيد من الانشقاقات السياسية داخل الكيان ستحصل.

اليوم مستقبل «أولمرت» على المحك. مستقبل «بيريتس» على المحك، ورؤساء أحزاب. وهناك أحزاب مستقبلها على المحك، وفي مقدمتها «كاديما» وهو حزب بكامله مستقبله على المحك. يكفي لو توقفت فقط عند هذه الآثار من دون أن أتناول جوانب أخرى حتى لا أُطيل الكلام من اجل القول إن هذا نصر استراتيجي تاريخي. واليوم في إسرائيل يتكلمون عن الآثار الداخلية، حتى إن بعض الخبراء الإستراتيجيين تكلموا عنها وأيضا بعض الحكام العرب. نعم إسرائيل التي كانت تخيف الأنظمة العربية وكان يقال إن المقاومة تحرر ولكن لا تستطيع أن تقف أمام جيش بهذه القوة. المقاومة ليست ميزتها أنها صمدت، الأهمية أنها ألحقت خسائر كبيرة جداً وفادحة بالإسرائيلي وهذا لا يمكن إخفاؤه عن الشعب الإسرائيلي ولا يمكن إخفاؤه عن العالم رغم الحصار الإعلامي الذي حصل.

إذا في الأساس إذا قلنا إن المعركة في العمق هي معركة إرادة، استطيع أن أقول إن إرادة المقاومة صمدت وإن الإرادة الإسرائيلية اهتزت بدليل أن إسرائيل اضطرت لوقف الحرب. والذي يصدق أن الضغط الدولي أوقف الحرب الإسرائيلية هو واهم وليسمح لي هو لا يعرف حقيقة الوضع السياسي في العالم وكيف تدور الأمور في العالم. العنصر الرئيسي الذي أوقف الحرب هو الفشل الذريع الذي أصاب العملية البرية في الأيام الأخيرة وحجم الخسائر، وخشية القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية من الذهاب إلى ما هو أسوأ واخطر وما هو كارثي أكثر على الجيش وعلى الكيان، إضافة إلى صوت دولي تصاعد وأدّى إلى وقف الحرب.. لكن بالدرجة الأولى لو كانت إدارتا «بوش» و«أولمرت» على ثقة بأنهما لو استمرتا في الحرب لأسبوع أو أسبوعين إضافيين يمكن أن تحدثا تغييراً نوعياً في مسار المعركة لاستمرت الحرب ولم تتوقف يوم الإثنين. هذا يعمق الأثر الإستراتيجي للمعركة ومن هنا ثقة الشعب الإسرائيلي بجيشه وكيانه ستتراجع. وثقة الشعوب العربية وثقة الشعب الفلسطيني أن خيار المقاومة يمكن أن يصنع انتصاراً في هذا الحجم ستقوى، برأيي هذا أمر ستكون له بالتأكيد تأثيراته على أصل وجود الكيان على المدى المتوسط أو البعيد. طبعا لا أدعي ولا يدعي أحد أن هذا ستكون له تداعيات وجودية قريبة وسريعة.

طبعا نحكي عن وجود كيان ومستقبل كيان ومستقبلنا لكن يبقى في الشق الفلسطيني الهاجس الأساسي أن الفلسطيني هو يملك فكرة المقاومة ومشروعها وإيمانها وإرادتها ويجب أن تمكنه من أن يمتلك بقية العناصر التي توفرت في تجربة الحرب الأخيرة كي يتمكن من صنع نصره أيضاً. أما استمرار الحصار المفروض على الفلسطينيين وجزء من هذا الحصار المفروض للأسف عربي فقد يجعل إمكانية توظيف هذا النصر سريعا على الساحة الفلسطينية إمكانية محدودة.

- هل ترون أن إسرائيل ستعود إلى شن الحرب بعد تنظيم وضعها الداخلي إما ضد لبنان مجددا أو الذهاب نحو حرب أسهل مع سوريا؟

مع التأكيد على الطبيعة العدوانية لإسرائيل وعندما أقول ’يمكن أو لا يمكن يستبعد أو لا يستبعد‘ الأمر ليس له علاقة بطبيعة إسرائيل ولا بنواياها وإنما له علاقة بالظروف والإمكانات المتاحة. لو أتينا إلى هذه الحرب قليلاً وهذا قد يساعد في التقييم. هذه الحرب كان هدفها القضاء على «حزب الله». هذا هو الهدف الرئيسي والمباشر وبالتالي إخضاع لبنان نهائيا للإرادة الأميركية التي هي في المنطقة إرادة إسرائيلية وهذا الهدف أعلنه الأميركيون والإسرائيليون منذ الأيام الأولى، أنا لا احلل ولا اجتهد، هناك شيء يقولونه وهذه نصوصهم واضحة ولا تحتاج إلى اجتهاد. ومع ذلك إسرائيل عجزت عن القضاء على «حزب الله». باعتبار ذلك هو الهدف الأعلى بل عجزت عن تحقيق كل الأهداف المعلنة للحرب من القضاء على «حزب الله» نهائياً وبنيته العسكرية إلى القضاء على البنية الصاروخية ل«حزب الله»، إلى إخراجه من جنوب لبنان وجنوب الليطاني إلى استعادة الأسيرين بلا قيد أو شرط. أي من هذه الأهداف المعلنة لم تستطع إسرائيل أن تحققه. آخر انجازات «أولمرت» التي يقول إنه أنجز شيئاً هو أنه وضعني في الملجأ. انتهت الأهداف للحرب الإسرائيلية بأن يضعوني في الملجأ. هذه حرب طويلة عريضة أتت بالنهاية بهذا الهدف.

في هذه الحرب إسرائيل استخدمت، ’لا أريد أن أقول كل قوتها‘ ولكن الجزء الأكبر والأهم من قوتها. من الناحية النوعية لم يبق شيء لم تستخدمه إسرائيل إلا السلاح النووي. أنواع الطائرات الإسرائيلية على اختلافها استعملت في هذه الحرب. أحدث أنواع الدبابات، ألوية النخبة جلبتها إلى الحرب، لواء «غولاني» و«جيفعاتي» سحبوه من غزة وجاءوا به إلى الحرب أيضاً وحدات المظليين. أتوا أيضاً ب40 ألف جندي. ثلاث فرق احتياط. بالنسبة إلى حجم النار نفذوا 9 آلاف غارة جوية وليس طلعة جوية يعني أن الطيران قصف. تكلموا عن 175 ألف قذيفة خلال 33 يوما. حجم النار الذي استخدم كان كبيرا جداً. صواريخ الطائرات الإسرائيلية استنفد مخزونها الإستراتيجي ولذلك حتى الصواريخ التي كانت معزولة من اجل التلف تم قصفها واستخدامها في لبنان. وإسرائيل احتاجت من الأميركيين ليس فقط للصواريخ الذكية بل إلى كل أنواع الصواريخ التي تقصف بالطيران.

الأهمية في تلك التفاصيل أن إسرائيل استخدمت جزءا كبيراً من طاقتها يعني هناك مئات الطائرات كانت تحلق وتقصف في لبنان، هم ليسوا قادرين على إخراج كل سلاح الجو واستخدامه في لبنان. لم تعد هناك أهداف ليضربوها، لأن لبنان صغير ولا يتحمل كل طائرات إسرائيل تحلق وتقصف فيه أهدافاً. إسرائيل بهذه الطاقة والإمكانية الهائلة وبتأييد أميركي ودولي وخذلان عربي كبير للبنان. ومع ذلك (لنكن متواضعين) فشلت إسرائيل في الحرب ولحقت بها خسائر أضرت بصورة جيشها وبفاعليته، بالجندي والدبابة. حتى الدول التي أقامت صفقات مع إسرائيل لتشتري «ميركافا» الجيل الرابع تراجعت عن الصفقات. في الحرب مع المقاومة الشعبية تتحول الدبابة المحصنة إلى تابوت. إسرائيل التي تعاني ما تعانيه من الفشل في لبنان، هل تذهب إلى حرب جديدة؟ برأيي هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل حتى لا انفي الذهاب إلى حرب جديدة. أما باتجاه لبنان فبالتأكيد الإسرائيلي عندما يريد أن يذهب إلى حرب جديدة مع لبنان سيحتاج إلى آلاف الحسابات وخصوصا إذا انتهينا في الوضع اللبناني إلى وضع داخلي معقول بعد انتشار الجيش وقوات «اليونيفل» ولم يمس سلاح المقاومة. وبالتالي إذا بقيت المقاومة وبقي سلاحها وبقيت القوة التي ألحقت الهزيمة بإسرائيل في هذه الحرب. طالما هذه القوة موجودة فإسرائيل سوف تحسب حسابات كبيرة وطويلة لمعاودة الحرب على لبنان.

أما أن تذهب إسرائيل إلى الحرب باتجاه آخر فأنا لا اعتقد ذلك. ولمن يتصور أن الحرب مع سوريا ستكون أسهل هو أيضاً مخطئ. أريد أن أقول شيئا إنه في الوقت الذي كانت إسرائيل تهاجم لبنان ومن المفترض أنها تستهين بسوريا (كما يحاول البعض أن يستهين بسوريا) وفي الوقت الذي كانت تعلن فيه إسرائيل أن الصواريخ التي قصفت حيفا والخضيرة والعفولة هي صواريخ سورية الصنع، وفي نفس تلك الأيام كان وزير الحرب الإسرائيلي «عمير بيريتس» يؤكد على مدى عدة أيام إنهم لا يريدون استهداف سوريا ولا فتح جبهة معها. هذا مؤشر. وهناك مؤشر آخر مهم جداً. عندما أعلنت سوريا أنه إذا اقترب الإسرائيليون من حدودها البرية فسوف تدخل المعركة. الملاحظ في كل الحرب الإسرائيلية الأخيرة أنه لم يقترب الإسرائيليون من الحدود السورية برا ومع العلم إن محاور مزارع شبعا هي محاور مهمة جداً والمساحات مفتوحة ويمكن للإسرائيلي أن يتحرك فيها بقوة للالتفاف على المقاومة في منطقة جنوب النهر، مع ذلك في هذه المنطقة لم يحرك الإسرائيلي فيها ساكنا وتجنب الاقتراب من الحدود السورية، فهذا يعني أن الإسرائيلي كان يعمل حسابات كبيرة جداً لاحتمال الصدام مع سوريا أو إدخال سوريا في الحرب. هذا يحتاج إلى تقييم أكبر وأدق ولكن أنا شخصيا أميل إلى القول إن الإسرائيلي يحتاج إلى وقت طويل للتفكير بحرب جديدة ليس فقط مع لبنان بل حتى مع سوريا. أنا اعتقد أن نقطة الضعف الوحيدة التي سيركز عليها الإسرائيلي ويحاول من خلالها ليس استعادة صورة ردع وإنما سيحاول من خلالها المنع من توظيف الانتصار في لبنان، هي في الوضع الفلسطيني لأن الفلسطيني محاصر ومقطع الأوصال، ظروفه صعبة وان كانت إرادته صلبة ومعنوياته عالية، فالجهد الإسرائيلي سيتركز هناك أكثر.

- في موضوع ملف سلاح المقاومة ومسألة القول إنه لو جرى تقدير النتائج لما حصلت العملية وكيف استخدم «أولمرت» الأمر داخليا؟

كلامي مع محطة ال «نيو تي في» هو تأكيد لما قلته أثناء الحرب وأنا أسهبت في هذه النقطة والحديث عن أنه "لو كنا نعلم أو كنا نحتمل" جاء في سياق هذا الحديث ولكن للأسف تم اقتطاع هذا الجزء بخبث وذلك من اجل تركيب مواقف سياسية وبناء تحليلات سياسية على أساسها.

عليه، لو أردت أن أُعيد صياغة ما قلت من جديد، أنا قلت بشكل واضح جداً أن عملية الأسيرين دفعت الإسرائيلي للقيام بحرب في تموز كان سيقوم بها في تشرين الأول. ولو قام بها في تشرين الأول لكانت الكارثة كبيرة جداً جداً جداً على لبنان وعلى المنطقة، ولكانت النتائج سيئة جداً جداً جداً. عملية الأسيرين من حيث لا نعلم (وأنا كنت شفافا) أحبطت الخطة المعدة والتي كانت معدة بإحكام ولكن كان توقيتها في أوائل الخريف وكانت تحتاج إلى استكمال بعض الجهوزية وبعض المعطيات ولأسباب أخرى. لذلك أنا كنت واضحاً وقلت أن الحرب ليس سببها عملية الأسيرين. الحرب هي قرار أميركي إسرائيلي ومغطى من أماكن معينة، والحرب مجهزة ويستكمل التجهيز لها والتوقيت محدد وكانت تعتمد على عنصر المفاجأة بشكل أساسي ولها سيناريو وحتى أن السيناريو الذي طبق ليس هو المقرر. عندما حصلت عملية الأسيرين وسقط هذا العدد من القتلى استُفز الإسرائيليون ووجدوا أنفسهم أمام واقع إما أن يتحملوا ما حصل أو يذهبوا إلى المعركة المقررة في أوائل الخريف. معلوماتنا أنه بعد التشاور مع الأميركيين في اليوم الأول تقرر الذهاب إلى المعركة التي كانت معدة للتنفيذ في تشرين. نحن أفقدناهم عنصر المفاجأة. فرضنا عليهم توقيتاً غير التوقيت الذي اعد له بدقة وبالتالي حصلت المعركة ونحن مستنفرون ومتهيئون وهم ليسوا جاهزين بينما لو حصلت في تشرين لكانت ستبدأ المعركة بلا ذريعة لأن أي ذريعة كانت ستعني بالنسبة لنا لفت الانتباه. لو جاء إلى جنوب لبنان في تشرين من يضع صواريخ مجهولة ويطلقها على فلسطين المحتلة، حزب الله سيستنفر بطبيعة الحال لأنه سوف يحتمل قيام إسرائيل برد فعلي ما. الحرب التي كانت ستبدأ في تشرين كانت ستبدأ بشكل مفاجئ جداً ومن دون أي ذرائع وإسرائيل لم تكن بحاجة إلى ذريعة لأنها تحظى بتأييد أميركي مطلق وسوف تحتسب الحرب في تشرين بالحرب على الإرهاب وبالتالي لها المشروعية الكاملة وليست بحاجة إلى ذريعة أو حجة الدفاع عن النفس أو ما شاكل.

نعم كنت شفافا وصادقا عندما قلت إننا عندما ذهبنا لننفذ عملية الأسيرين لم نكن نقصد استدراج الإسرائيليين إلى الحرب في تموز بدلا من تشرين. أكيد لم نكن نقصد ذلك، نحن كنا نعلم أنه في يوم ما الإسرائيلي والأميركي سيخوضان ضدنا حربا قاضية وحرب إبادة، ولكن بالتأكيد لم نكن نعرف التوقيت وكنا نراقب الظروف والمعطيات السياسية. عندما يوجه إليّ السؤال لو عدنا إلى 11 تموز ويقال لك إن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب تؤدي إلى هذا الدمار وسقوط كل هؤلاء الشهداء والى ما هناك. إذا كان الجواب "نعم" يعني حتى لو كنا نحتمل أو نعلم أن أسر الجنديين الأسيرين سيؤدي إلى هذه الحرب الواسعة فكنا سنذهب إلى الأسر. لو قلت ذلك فسأكون كاذباً وسيقف الخبثاء للقول انظروا هؤلاء لا يعنيهم البلد ولا دماء الناس.

بكل بساطة كنت استطيع أن أهرب من السؤال، والآن يمكنني ذلك وأن أقول على كل حال الحرب ليس لديها علاقة بأسر الجنديين الإسرائيليين ولكن لأنني أعرف أن هذا السؤال موجود عند الناس وأثير بقوة في زمن الحرب. اعتبر أن من مسؤوليتي الحقيقية أن أجيب عنه، وقلت نعم لو كنا نحتمل لما أقدمنا في هذا التوقيت على عملية الأسيرين. ولكن هذا الكلام جاء في أي سياق؟ جاء في سياق أنه حتى هذا الاحتمال ليس وارداً على الإطلاق وأن لا أحد في الدنيا لو يدرس ويقيم ويحلل كان يفترض أن أسر جنديين يؤدي إلى حرب بهذا المستوى لأن الحرب لا صلة لها بأسر الجنديين. هذه الحرب هي خارج أي منطق أو معيار أو قانون أو ضوابط. وفي كل تجارب الحروب العربية الإسرائيلية وتجارب المقاومة في حربها مع إسرائيل وتجارب حروب العالم في التاريخ كله، لم يؤد أسر جنديين إلى حرب. نعم الأسر أُستغل لتوقيت الحرب وبرأينا هذا كان من مصلحتنا ومصلحة لبنان وانه استعجل حرباً كانت ستحصل بشكل قاطع ولذلك إذا كنت أريد أن استعمل عبارات لا يمكن اجتزاؤها أو اقتطاعها، أنا أقول لم نخطئ التقدير وكانت حساباتنا دقيقة وصحيحة وأيضا لسنا نادمين وأنا لم ألق خطاب ندم أو هزيمة كما قال بعض الإسرائيليين بل كان خطابي خطاب انتصار من اليوم الأول. وأنا في اليوم الأول، عندما كانت الغيوم سوداء كنت واثقا بأن النصر آت وهذا ما يجمع عليه كل خبير موضوعي الآن ويقيم ما حصل. واعتقد وهذا قلته أكثر من مرة إن ما حصل في توقيت وقرار العملية وما أدت إليه كان توفيقاً إلهياً ولطفاً إلهياً، ولو أننا لم نذهب إلى تلك العملية وبقينا غافلين إلى تشرين لكان لبنان غير لبنان ولكن بشكل آخر كما قال «طلال سلمان»، ولكانت إسرائيل غير إسرائيل ولكن بشكل آخر. لكانت إسرائيل في تشرين ومن خلال عامل المفاجأة والاستفادة من عوامل عدة أخرى لكانت راهنت على القضاء على المقاومة في لبنان وهذا كان سيؤدي إلى استسلام لبنان إلى أميركا وإسرائيل، وسوف يؤدي إلى أفق قاس وخطير على مستوى المقاومة الفلسطينية، على مستوى موقع سوريا، على مستوى مشروع المقاومة على امتداد العالم العربي. لذلك اكرر وأقول لسنا نادمين ولم نرتكب أي خطأ وكانت تقديراتنا صحيحة وان ما حصل هو أهم بكثير من التقديرات التي كنا نتحسب لها، نعم لو تجاوزنا كل هذه المشاريع والجوانب الأساسية في القضية وحشرنا أنفسنا في زاوية وقلنا لو كنا نحتمل، لفعلنا أو لم نفعل، الجواب المنطقي لما كنا فعلنا. لو حصرنا الموضوع في عملية الأسر ورد فعل عليها، لكن حقيقة ما حصل في تموز خارج هذا السياق والمنطق بالكامل.

- يقال إنه حصلت ردة فعل إسرائيلية واسعة على خطف الفلسطينيين للجندي الإسرائيلي في غزة قبل 12 تموز؟ الم تصلكم الإشارة؟

كنا جاهزين لهذا المقدار وهذا ما كنا نتوقعه، حجم رد الفعل الذي توقعناه هو رد فعل قاس انتقامي محدود والذي حصل في غزة هو في هذه الحدود ليس أكثر. الإسرائيلي لم يقم باجتياح أو تدمير قطاع غزة ولم يقم بما فعله في لبنان، مع العلم أن أسر الفلسطينيين لجندي في غزة هو أشد إذلالاً للإسرائيلي من أسر جنديين في لبنان. حسب الإمكانات المتوافرة لدى الفلسطينيين قياسا لإمكانات المقاومة في لبنان، ما كانت ردة فعله في غزة، نحن افترضنا أن ردة فعله في لبنان يكون على هذا الشكل أو أكثر ولكن ما قام به الإسرائيلي في لبنان ليس رد فعل وإنما فعل مقرر استعجل زمنياً. الشهداء في غزة، أجروا إحصاء قبل عملية الأسر، كل شهر كان عندهم 30 أو 40 شهيدا. ولم يتغير شيء.

بالمناسبة، أنا أتفهم أن الإسرائيلي يقتطع هذا الجزء ليستفيد منه مثلا «أولمرت» ليحاول أن يتحدث بما يساعده على التخلص من لجنة تحقيق أو مشاكل. وأنا طبعا لم أكن اقصد ذلك، أنا كنت أتكلم بالصدق والشفافية التي كان يحتاج إليها الناس ويتطلع إليها الناس، لكن كنتيجة قيل لي وقرأت أن «أولمرت» يحاول الاستفادة من هذه الجملة، وأنا لا أمانع بأن يستفيد «أولمرت» منه. وأنه إذا ما خُيرنا بين رئيس حكومة أحمق وغبي وضعيف يستمر في إدارة هذا الكيان وبين رئيس حكومة بديل عنه قوي ومقتدر فنحن نفضل بقاء رئيس الحكومة الغبي والأحمق. وإذا كان بعض كلامي المقتطع يمكن أن يستفيد منه «أولمرت» فانا لا أمانع في ذلك.

لكن أنا آسف من الذين يفهمون اللغة العربية جيدا ويفهمون أن هذه الجملة جاءت في سياق موضوع متكامل وانه لا يجوز اقتطاعها عن سياقها الطبيعي، كيف قاموا باجتزاء هذه الجملة وتوظيفها بما يخدم قراءتهم غير الصحيحة لما جرى في لبنان. هذا مؤسف ولا أريد أن أتحدث عن أكثر من أسف.

- بعد صدور 1701 المشهد والالتباسات كثيرة. قرار ملتبس ومشهد ملتبس، ألا تقطعون الطريق على أي فرصة للبحث عن مرحلة ما بعد 1701 عندما تشددون على أولوية الحفاظ على سلاح المقاومة؟

هناك شقان. الأول له علاقة بما يمكن أن تستقر عليه الأمور في الجنوب، أنا بنظري الصورة واضحة، الجيش اللبناني يستكمل انتشاره في المنطقة الحدودية، من المفترض أن الجنود الإسرائيليين ينسحبون وقوات «اليونيفل» المعززة تنتشر في المواقع التي ستتفق عليها مع الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية. وسيكون في منطقة جنوب النهر وصولا إلى الحدود الدولية جيش لبناني وقوات «يونيفل»، المقاومة أساسا سياستها هي تجنب المظاهر المسلحة. أما الآن فالأمر يتعدى الالتزام الذاتي والضمني والسياسة العامة إلى التزام رسمي ووطني تجاه الجيش اللبناني وتجاه الدولة اللبنانية.

هذا يعني أن المشهد سيكون في منطقة الجنوب، في جنوب النهر كما هو المشهد فعلا في شمال النهر. قبل 12 تموز في شمال النهر كان هناك جيش لبناني ودولة باسطة سلطتها على كل شيء في شمال نهر الليطاني والمقاومة موجودة بشكل غير معلن. هذا المشهد سيكون في جنوب النهر. المقاومة موجودة بشكل غير معلن وبالتالي الجيش اللبناني والدولة ومن خلال وجودها المباشر على الحدود حكما سوف تصبح هي المسئولة في التصدي لأي خروقات إسرائيلية وأنا قلت وأكرر القول إن المقاومة سوف يصبح دورها الأساسي هو المؤازرة والمساندة للجيش اللبناني الذي بات متواجدا بحسب هذا التصور على الحدود. ولكن بالتأكيد لو جاء الإسرائيليون كما حصل في بوداي مثلا ليقوموا بإنزال في هذه البلدة الجنوبية أو البقاعية فإن المقاومة الموجودة بشكل سري التي هي أبناء هذه البلدة سوف تتصدى للإنزال الإسرائيلي ولن تنتظر في إطار هذا التصدي إذنا من أحد لأن هذا دفاع مشروع عن النفس. لكن في الخط العريض الجيش هو المعني في مواجهة الخروقات من خلال وجوده على الحدود والمقاومة تتحول إلى قوة مؤازرة ومساندة. وأنا لا أعتقد أنه ستكون هناك مشكلة لأن المقاومة صادقة في التزامها من جهة ومنضبطة في أدائها من جهة أخرى. فقد يكون هناك مقاومة قيادتها ملتزمة ولكن كادرها وأطرها وأفرادها غير منضبطين. هذا قد يؤدي إلى مشكلات ميدانية يخشى من تطورها. هذا الأمر بالنسبة لمقاومتنا محسوم. القرار الصادر عن مجلس الوزراء الذي اخذ الكثير من النقاش داخل مجلس الوزراء هو قرار واضح يحدد مهمة الجيش في جنوب لبنان، وليس من مهمة الجيش نزع سلاح المقاومة وليس من مهمة الجيش التجسس على المقاومة ومداهمة الأماكن التي قد تحتفظ فيها المقاومة بسلاح لها.

إذا ليس هناك أي مبرر لأي مشكل، وقيادة الجيش ملتزمة أيضاً من جهة على مستوى عقيدتها ومن جهة على مستوى انضباطيتها كمؤسسة رسمية بهذا القرار. مهمة الجيش في الجنوب هي الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين وممتلكاتهم وأرزاقهم وأمنهم. إذا ليس هناك من نقطة احتكاك قد يخشى من وجود إشكال فيها. «اليونيفيل» المعززة بحسب ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة، إلا إذا صدر قرار جديد، ليست مهمتها نزع سلاح حزب الله وإنما مهمتها مساندة الدولة اللبنانية في بسط سلطتها ومساندة الجيش اللبناني. إذاً لا مشكلة. أنا أفترض أنه لا يوجد سبب لقيام مشكلة أو خلل ما، وبالتالي الوضع الداخلي في جنوب لبنان سوف يعود إلى الاستقرار الذي كان عليه خلال الست سنوات الماضية مع تبدل أن المتواجد على الحدود هو الجيش المعني بالتصدي للخروقات وليس المقاومة المتواجدة على الحدود المعنية مباشرة بالتصدي للخروقات. لذا أنا مطمئن ولست قلقا، طبعا إذا أخذنا الأمور بحسب القرارت المعلنة والعناوين المعلنة وبنينا على صدق النوايا. إذا كان هناك من فخ ما ينصبه الإسرائيليون في جنوب لبنان يريدون ايقاع أحد في هذا الفخ أو هناك لغم، المقاومة، الجيش، الحكومة في لبنان ليسوا ملتفتين له فهذا يمكن أن يتضح خلال وقت. ولكن المسار الطبيعي للأمور يقول إنه ليس هناك ما يدعو إلى القلق.

الشق الثاني الذي له علاقة بسلاح المقاومة كما قبل الحرب بعد الحرب، نحن لا نقول إن هذا السلاح ليس للمناقشة، إنه ما زال خاضعا للحوار والرئيس «نبيه بري» في خطابه الأخير أعلن باسمه وباسمنا أن من جملة الأولويات في المرحلة المقبلة هو محاولة التوصل أو الاتفاق وطنيا على إستراتيجية دفاع وطنية بالاستفادة من تجربة الحرب الضخمة التي خضناها. وبالتالي هذا الموضوع يجب أن يستكمل نقاشه، الآن في أي إطار صار هذا شكليا ولكن من حيث الجوهر يجب أن يستكمل نقاشه ونحن لم نقطع الطريق على أحد في هذا النقاش. حتى في آخر حوار صحافي لي أنا قلت إننا نحن لا نريد أن نحتفظ بهذا السلاح لأبد الآبدين. المقاومة كانت بديلا لفراغ الدولة، تعالوا (هنا نقدم حلا سواء كان مقبولا أو غير مقبول) وأوجدوا الدولة القوية القادرة المقاومة التي تطمئن الناس وتحمي الناس. هذا الذي يشكل مدخلا لأي نقاش في سلاح المقاومة ويمكن أن يحسم مصير هذا السلاح. إذا نحن ما زلنا منفتحين على أي صيغة يمكن الاتفاق عليها وطنيا لمناقشة هذا الأمر، ولم نقفل الباب على أحد على الإطلاق وحاضرين للمناقشة ليس فقط نظريا كما كان يجري قبل الحرب. وبالاستناد إلى تجربة المقاومة في العام 2000 أعتقد أن الحرب الأخيرة قدمت تجربة مهمة جداً يجب أن يستفيد منها لبنان في وضع إستراتيجيته الدفاعية بل يجب أن يستفيد منها لبنان أيضاً في طريقة إعادة تكوينه للجيش اللبناني وتقوية الجيش اللبناني وتسليح الجيش اللبناني، إذا أردنا أن نقوي الجيش اللبناني بما يمكنه من الوقوف بمواجهة إسرائيل، حتى لا ننفق في مجالات عبثية وغير مجدية.

- ما هو مصير الأسلحة والصواريخ؟ هل يجرى البحث في هذا الموضوع؟

بكل الأحوال من عام 1996 بعد عدوان نيسان، هذه الصواريخ كانت موجودة ولم تستخدم إلى 2006 أي عشر سنوات لم تستخدم. وهذه الصواريخ هي بالأساس ليست للاستخدام العملياتي اليومي، حتى عندما كان هناك عمليات يومية. هذه الصواريخ تستخدم في حال نشوب حرب كما حصل 96 و93 و.2006 والمقاومة ليست بوارد استخدام هذه الصواريخ على الإطلاق إلا في حال اعتدت إسرائيل وقامت بحرب على لبنان. هذا يحل مشكلة أنه الآن ماذا نفعل بهذه الصواريخ. نفعل بهذه الصواريخ أننا نحتفظ بها كما كنا نحتفظ بها منذ 96 إلى 2006 من دون أن نقوم باستخدامها. نحتفظ بها لأن هذه الصواريخ لا تستخدم إلا في حال حصول عدوان عسكري واسع على لبنان.

لو حصل عدوان جديد على لبنان، بالتأكيد الجيش مسؤوليته أن يدافع، المقاومة لها مسؤولية أيضاً أن تدافع كمقاومة شعبية. لكن هذا الأمر متروك للمستقبل. نحن نفضل في كل الأحوال أن لا يناقش هذا الأمر بشكل تجزيئي أي أن لا ندخل إلى هذا النقاش ونقول الصواريخ ماذا نفعل بها أو هؤلاء الشباب ماذا نفعل بهم أو هذا النوع من السلاح ماذا نفعل فيه. المناقشة التجزيئية للموضوع هي مناقشة غير عملية وغير مجدية. الأفضل أن ندخل إلى مناقشة شاملة ونقول في ضوء ما حصل وكل التجارب لبنان معني بالدفاع عن وجوده وكيانه واستقلاله وسيادته وأمنه في مقابل أي حرب إسرائيلية قد تشن في المستقبل.

هناك تطور جديد أن الجيش اللبناني أصبح موجودا على الحدود. هذا لم يكن موجودا قبل 12 تموز، في ضوء هذه التجربة كيف يمكن للبنان من خلال الإمكانات المتاحة إليه أن يدافع عن نفسه ونستكمل النقاش الذي كان موجودا على طاولة الحوار. المناقشة الشاملة أعتقد أنها توصل إلى نتيجة أفضل وتخدم حماية البلد دون أن تستجيب للشروط الإسرائيلية.

- إذا لم يكن هناك قرار سياسي بأن يتصدى الجيش للخروقات أو الاعتداءات الإسرائيلية، ماذا سيكون موقف المقاومة في المرحلة المقبلة؟

حسب قرار مجلس الوزراء مهمة الجيش في الجنوب الدفاع عن الوطن، صار الموضوع الأمني.

- في ضوء ما قاله الرئيس «بري»، حول استمرار المقاومة طالما أن مزارع شبعا وتلال كفر شوبا محتلة. ماذا سيكون موقف «حزب الله» ميدانيا من موضوع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعا؟

الموقف سياسي معلن وواضح، هذه أرض لبنانية محتلة ويجب أن تعود إلى لبنان. من مسؤولية الدولة كما كان من مسؤولية الدولة عام 1948 أن تدافع عن لبنان وبعدها أن تستعيد أي شبر محتل من أرض لبنان من عام 78 ل82 إلى اليوم مسؤولية الدولة هي أن تستعيد هذه الأرض. وعندما تريد الدولة القيام بهذه المسؤولية مسؤولية المقاومة أن تساندها وإذا تخلت عن هذه المسؤولية، مسؤولية المقاومة أن تباشر هذا الأمر. المقاومة حق مشروع لنا، لكن هل سنمارس هذا الحق في الزمان وفي المكان هذا الأمر متروك للوقت. أنتم لاحظتم أننا نحن من 2000 إلى 2006 مع التأكيد على هذا الحق تصرفنا بطريقة مختلفة مع احتلال مزارع شبعا عن الطريقة التي كنا نتصرف بها قبل العام 2000 لأسباب سياسية وأمنية وميدانية مختلفة ومتنوعة لذلك نحن يكفي أن نقول كما قال الرئيس «بري» أيضاً المقاومة هي حقنا ونحن نحتفظ بهذا الحق وهذه الأرض يجب أن تعود إلينا. اليوم يمكن أن يقال هل تعطون فرصة للدولة، الفرصة موجودة أمام الدولة حتى بعد العام ,2000 نحن لم نفتح جبهة في مزارع شبعا ولم نقم بعمليات يومية في مزارع شبعا، وإنما كنا نسميها ب’العمليات التذكيرية‘ وكان يفصل بين العملية والأخرى عدد من الأشهر. نحن الآن خارجون من حرب ولسنا مستعجلين للقيام بعمليات في مزارع شبعا. ولكن نحن نقول أن هذا حقنا ولا يجوز لأحد أن يقدم ضمانات وتطمينات أمنية مجانية للإسرائيلي الذي يحتل جزءا من أرضنا والآن الدولة أو الحكومة تستطيع أن تباشر.. على كل حال نحن سنواكب هذا الأمر وسنرى كيف ستسير الأمور.

- بعد الحرب لا بد من إعادة النظر بشكل متوازن بين سياسة وعسكرة الحزب، بمعنى الحزب كان لديه مواقعه ومخابئه وذخيرته وسلاحه، وكان يحارب على الجبهة، الآن هذه الجبهة أقفلت. المهمة العسكرية للحزب المقاوم لم تعد أولوية مطلقة، كيف تتصورون الانتقال من هذه المرحلة التي كان فيها الوجه العسكري هو البارز إلى الميدان السياسي؟ ما هو دور الحزب بعد حرب تموز؟

الحزب قد لا يحتاج إلى هذا التحول الدراماتيكي على مستوى التنظيم لأنه كل ثلاث سنوات تكون للحزب مراجعة مؤتمرية تنظيمية وتطويرية لأجهزته وإمكاناته وإجراء تعديل مناسب بهيكليته يماشي التوسع القائم في الساحة سواء على المستوى السياسي أو الشعبي أو المهام المحددة.

إذا قد لا نكون نحن أمام تحول كبير من هذا النوع لسبب أن تركيبة الحزب خصوصا من عام 1990 وصاعدا، كان الجسم العسكري المعني بالمقاومة يتفرغ لشانه ومهمته وهناك جسم كبير أيضاً تنظيمي وشعبي وسياسي يتفرغ لهذا الجانب ولم يكن أحدهما يتأثر سلبا بالآخر بل كان يتأثر به إيجابا. يعني انجازات المقاومة كان يستفيد منها الجسم الآخر على مستوى المزيد من الاستقطاب والحضور الشعبي والفعالية السياسية والنشاط الإعلامي. المزيد من الاحتضان الشعبي والحضور السياسي كان يؤمن قدرة إضافية للجسم الجهادي في «حزب الله».

إذا، تركيبة «حزب الله» خصوصا بعد عام 90 والتطور الذي حصل في جسم «حزب الله». هناك تطور في الجسم الجهادي هذا صحيح ولكنه مخفي. لكن إذا عدنا إلى 2005 وقارنا بين «حزب الله» 2005 و«حزب الله» 1990 في حجمه وإمكاناته وقدراته ونشاطه السياسي ومؤسساته، الصورة مختلفة تماما.

يوم الاثنين يوم وقف الأعمال الحربية، عندما أعلنت عن بدء المساعدات للنازحين ومشروع تأمين البدائل المؤقتة والبدء برفع الأنقاض، تصور البعض أن على الذين كانوا يقاتلون أن يخلعوا ثيابهم العسكرية ليبدأوا بعملية البناء. هناك جسم آخر كامل كان ينتظر في هذه اللحظة غير أولئك الذين كانوا يقاتلون. إذن تركيبة «حزب الله» خلال الخمسة عشر عاما الماضية أخذت هذا الجانب بعين الاعتبار ولذلك استطعنا في السنوات الماضية أن ندخل إلى الانتخابات وإلى النقابات وإلى المجلس وإلى الحكومة وأن نطور عملنا في مؤسسات مختلفة وحتى في مرحلة الجهوزية بين 2000 و2006 الحزب كحزب في القيادة السياسة والأطر السياسية والأطر التنظيمية لم تكن مشغولة ولا مستنزفة بالجهوزية العسكرية لأن للجهوزية العسكرية أجهزتها وأطرها الكاملة التي تستطيع أن تعطي وقتها الكامل وجهدها الكامل دون أن تؤثر على الوجود السياسي والحياة السياسية. أنا أتصور، أنه في ضوء ما حصل، أنا قلت أننا لا نحتاج إلى تحول كبير ولكن نحتاج إلى تطوير بالتأكيد، وهذا الحزب سيكون بمناقشته خلال الفترة المقبلة. يعني اليوم حجم المسؤوليات داخليا وعربيا هو مسؤوليات كبيرة جداً وأعتقد أن هناك إنجازات تحققت على المستوى الوطني وعلى المستوى العربي ويكفي أننا نضع هدفا للحفاظ عليها وهذا مما يضطرنا إلى تطوير بعض هيكليتنا وانجازاتنا أو أفكارنا أو برامجنا.

- هل هناك إمكانية لإعادة التفكير بالبنية التنظيمية والتوجهات الأساسية بإمكانية استقطاب والانفتاح بطريقة أزخم من السابق بحيث أن الرصيد الوطني والقومي العظيم الذي حققه الحزب سيساعده بتقديم نفسه خارج الشيعة وإنشاء شبكة سياسية جديدة من العلاقات السياسية مع القوى السياسية الممثلة للطوائف اللبنانية والتحالف مع هذه القوى؟

أنا أتصور أنه استنادا إلى تجربة الحرب الأخيرة يمكن إعادة النظر بالعديد من الأفكار والبرامج خصوصا فيما يتعلق بالعلاقات السياسية والمزيد من تمكين هذه العلاقات وتطوير هذه العلاقات وفتح هذه العلاقات على المستوى الوطني. ومن ايجابيات ما حصل في هذه الحرب إن الاتصال مع القوى السياسية والتيارات السياسية الأخرى تجاوز الأطر الرسمية والقيادية قهرا وليس بالتخطيط من أحد. عندما ذهب النازحون إلى المناطق اللبنانية الأخرى، بطبيعة الحال حصل في ظرف سياسي وأمني وإنساني خاص المزيد من الاحتكاك مع بقية اللبنانيين سواء مع السنة في المناطق السنية ومع المسيحيين في المناطق المسيحية أو مع الدروز في المناطق الدرزية. ونقلت بشكل عام بغض النظر عن بعض الاستثناءات الانطباعات التي عاد بها النازحون، وهي انطباعات ايجابية وجيدة جداً وحتى لو تم توصيف هذا التضامن بأنه تضامن إنساني وليس تضامناً سياسياً فإنه من أهم الإنجازات والبركات التي تحققت في هذه الحرب لأنه في ما أعرفه أنه لم يمر لبنان منذ عقود من الزمان في تضامن إنساني من هذا النوع وخصوصا في ظل التشنجات الداخلية والحرب الأهلية وما قبلها وما بعدها.

لعل البعض عندما وصف التضامن بأنه إنساني وليس سياسيا كان يحاول أن يقلل من قيمة هذا التضامن. بالنسبة لنا نحن لا نقلل من قيمة هذا التضامن لأننا نرى في هذا التضامن الإنساني قيمة كبيرة جداً لا تقل أهمية عن التضامن السياسي. والأمر الآخر، أن هذا حصل عشية أحاديث داخلية وخارجية عن أن لبنان يقف على خط الفتنة المذهبية والحرب الأهلية. فإذا به يقدم مشهدا مختلفا عن تضامن شعبي تنفتح فيه الطوائف على بعضها والمناطق على بعضها والناس على بعضها في ظروف حساسة وفي ظل أسئلة صعبة. هذا المعطى بالتأكيد سوف يترك أثراً كبيراً جداً على عقلية «حزب الله» وفهمه وأدائه وطريقة حركته وعلاقاته أي سيؤدي إلى تطوير وتحسين هذا التواصل. طبعا، هناك شيء تمت الإشارة له هو يحتاج إلى نوع من الدقة يعني مثلا أن «حزب الله» بقيادته وأفراده وانتمائهم غالبا أو بشكل كامل إلى الطائفة الشيعية، التطوير التنظيمي في هذا الاتجاه وقد طرح في أكثر من مراجعة في ظل الوضع اللبناني القائم يجب أن تراعى فيه بعض الحساسيات حتى في الاتصالات بسبب التعقيدات السياسية الداخلية.

مثلا نحن خلال العام الماضي وبسبب الحساسيات الخاصة التي كان يعمل عليها في لبنان نتيجة ما جرى في العراق وفي غير العراق في مسألة السنة والشيعة، أخذنا قرارا في «حزب الله» أن ننشط حركتنا بشكل أوسع وأكبر باتجاه إخواننا السنة في لبنان. نحن لنا في السابق علاقات مع مجموعة كبيرة من علماء المسلمين السنة، علاقة رسمية مع دار الفتوى، علاقة عميقة مع عدد من الحركات والتنظيمات الإسلامية وأيضاً اتصالات مع قيادات وطنية سنية. لكن في سنة ونصف سنة شعرنا أننا بحاجة إلى تحصين هذه العلاقة أكثر بمزيد من الانفتاح وانفتحنا على كل الاتجاهات والتيارات في الساحة السنية سواء كانت إسلامية التوجه، وطنية التوجه، لبنانية التوجه ليبرالية التوجه، من الجماعات الإسلامية إلى تيار المستقبل ولم نستثن أحدا من هذا الانفتاح. لكن نتيجة حساسيات الوضع اللبناني شعرنا أن حتى هذا الأمر هو بحاجة إلى بعض الدقة والمراجعة.

مثلا، نحن طلبنا من عدد من مسئولينا السياسيين وأطر العلاقات عندنا أن تقيم علاقات مباشرة حتى مع العائلات أي نذهب إلى بيوت العائلات ونجتمع مع وجهاء العائلات ونقدم لهم أنفسنا لنشرح لهم، لنجيب على تساؤلاتهم، لنقيم معهم علاقات مباشرة. وهذا حق طبيعي ويجب أن يحصل في لبنان. يعني لا يجوز أن تكون علاقة الشيعة مع السنة أو السنة مع الشيعة هي علاقة من خلال الزعماء أو من خلال الأحزاب والأطر السياسية يجب أن تكون علاقات شعبية مباشرة. للأسف وجدنا أن هذا النوع من التحرك قد يثير بعض الحساسيات وقد يسلط عليه الأضواء بطريقة غير مناسبة ليقال أن «حزب الله» يريد أن يخترق الساحة السنية وهذا أهون مما حاول البعض أن يروجه بأن لدى «حزب الله» مشروع تحويل السنة إلى شيعة ودعوة بعض السنة إلى التشيع، وهذه أكاذيب وافتراءات لا أساس لها من الصحة.

في كل الأحوال نحن ندرك هذه الحساسيات وأنا موافق على ما تفضلتم به في مضمون السؤال، «حزب الله» معني بمزيد من التحرك باتجاه الطوائف الأخرى والتيارات الأخرى. نحن مثلا لدينا تقييم ايجابي عن أكثر من ساحة. مثلا لو ذهبنا إلى الساحة المسيحية، في الساحة المسيحية ما قبل الحرب أو حتى ما قبل السنة والنصف الأخيرة هناك مساحة عند المسيحيين لنا علاقات قديمة ووطيدة معها سواء بعض الأحزاب المسيحية التي تحسب في الخط الوطني بحسب التقسيمات السابقة أو القيادات والشخصيات المسيحية التي لها حضور في الأحزاب الوطنية أو ذات الاتجاه اليساري، أيضاً في منطقة زغرتا وإهدن مثلا العلاقة هي علاقة قديمة مع الوزير السابق «سليمان فرنجية» الذي هو زعامة جدية وحقيقية لا أحد يستطيع أن يتجاهل حجمه وتمثيله الكبير و«تيار المردة» حتى في البيان التأسيسي الأخير الذي أصدره لمناسبة إعادة إحياء التيار، يتكلم عن سلاح المقاومة وسلاح «حزب الله» كما يتكلم «حزب الله»، يعني التزام كامل في رؤية على هذا الصعيد. عندما نذهب إلى المناطق المسيحية وطريقة التعاطي مع النازحين، لنا أن نتوقع أن تكون العلاقة طبيعية جداً في زغرتا وفي إهدن باعتبار أن هناك تحالفا قديما مع الوزير «سليمان فرنجية» وان نشهد في تلك المنطقة تعاطفا صادقا وقويا ومشكورا وكذلك في مناطق تواجد ووجود أحزاب سياسية معينة أيضاً هذا منطقي وطبيعي.

ما كان البعض يتصوره أن العلاقة التي انفتحت مؤخرا مع التيار الوطني الحر هي علاقة شكلية ورسمية ولكن تبدت في أرض الواقع أنها علاقة شعبية وطبيعية وهذا الأمر تبدى بشكل واضح في خلال الحرب وتحديدا في التعامل مع قضية النازحين. حتى عندما نذهب إلى المؤسسات التابعة للبطريركية يعني الأديرة والمدارس، بشكل عام أستطيع القول أن اليوم اندفاعة «حزب الله» وثقة «حزب الله» وإيمان «حزب الله» بضرورة الانفتاح وتشبيك العلاقات وتمتين العلاقات مع الأوساط المسيحية سواء كانت الصداقات قديمة أو كانت مستجدة خلال الفترة الماضية أو البحث عن علاقات وصداقات جديدة. أنا أؤكد لك أن هذه القناعة أقوى وأكبر بعد الحرب. في الوسط السني كذلك وإن كان حرصنا على العلاقة بهذا الوسط هو حرص قديم ينشأ من خصوصيات الساحة اللبنانية وخصوصيات الساحة الإسلامية وانعكاسات هذا الأمر على العلاقات الشيعية السنية في أي مكان في العالم. أيضاً على المستوى الدرزي سواء أولئك الذين كانوا في نفس الموقع السياسي معنا في هذه الحرب أو جزء من جمهور من لديهم ملاحظات سياسية أو قد نختلف معهم في الموقع السياسي تضامنوا إنسانيا وهذا لا يجوز أن نتجاهله على كل حال وعندما أنا أتحدث عادة عن المقاومة و«حزب الله» وإنها عنوان للوفاء أنا أؤكد وأعيد القول بأن من وقف معنا في هذه الحرب سواء سياسيا في الموقع السياسي أو إعلاميا من خلال الأداء أو ميدانيا سواء في القتال والدفاع المدني والصليب الأحمر الذي كان له دور كبير وقدم العديد من الشهداء على هذا الصعيد أو الذي احتضن النازحين إنسانيا من مختلف الطوائف ومن مختلف المناطق نحن نشعر بمسؤولية الوفاء تجاه هؤلاء وهذا يجب أن يترجم من خلال اتصالاتنا وعلاقتنا. أما تطوير الحزب ليدخل كحزب تنظيمي إلى مساحات جديدة هذا بحاجة إلى دراسة دقيقة لأنه يجب أن نراعي فيه الحساسيات حتى لا يقال إن الحزب يريد أن يتوسع.

- هل تعتبرون أن هذه الحرب قد فرزت الشيعة عن سائر مكونات المجتمع اللبناني، فصورتهم كأنهم شعب آخر...

كان هدف الحرب عزل الشيعة عن بقية الوطن ولكن هذا الهدف لم يتحقق لأن احتضان الوطن للشيعة سواء في الشق الإنساني الذي كان واضحا وجليا وشاملا أو في الشق السياسي الذي كان غالبا وكذلك في الشق الإعلامي وغيره، أعتقد أن نتائج هذه الحرب وآثار هذه الحرب على المستوى الشيعي، كما ذكرت قبل قليل سيدفع «حزب الله» إلى المزيد من التواصل على أساس الثقة والأمل في المستقبل، نفس هذه المشاعر أعتقد أنها مشاعر شيعية عامة وليست مشاعر «حزب الله» لوحده أو مشاعر حركة «أمل» لوحدها. في المحصلة حصلت الحرب أنا أعتقد أن توجه الشيعة باتجاه تمتين علاقاتهم وحضورهم وتقويتها مع بقية اللبنانيين سيكون أقوى في المرحلة المقبلة.

- هل كان للشيعة مشروع خاص عبر «حزب الله» وجرت المحاولة لضربه عبر العدوان الأخير؟

الحديث دائما عن مشروع خاص هو غير صحيح، «حزب الله» مشروعه معلن و«حزب الله» عنده رؤية معلنة على المستوى السياسي وهذه رؤية يتم تكرارها لأنه يمكن أكثر حزب يخطب هو «حزب الله» (يضحك).. وله حضور إعلامي وله تعبير عن قناعته ورأيه وأيضاً لديه برامج قدمها بشكل علني للناس في كل الانتخابات، وهو ذهب يترجم هذه البرامج. وبعض الذين يدعوننا للانخراط في الدولة اليوم، نقول لهم نحن شاركنا في انتخابات 1992 وهم قاطعوها، نحن شاركنا في انتخابات 1996 وهم قاطعوها، لكن هم اليوم يزايدون علينا بالدعوة إلى الانخراط في مشروع الدولة. نحن ليس لدينا مشروع خاص، نحن بشكل واضح نقول، وهذا الكلام ليس كلاما سياسيا، هو كلام فكري يستند إلى أسس فكرية ودينية، نحن في الرؤية الإسلامية الدينية وهذه رؤية إجماعية بين المسلمين أي ليست شيعية أو سنية. نحن نقول إنه لا بد للناس من أمام. بحسب اصطلاح ذلك الزمان الإمام يعني النظام يعني الدولة لا يمكن أن يعيش جمع من الناس على رقعة من الأرض بدون دولة بمعزل عن هوية ومضمون هذه الدولة. وكان دائما هناك نقاش فقهي أنه إذا دار الأمر بين نظام توجد حوله مجموعة كبيرة من الملاحظات وبين الفوضى أو الحرب الأهلية البعض كان يرى أن الأصل وجود نظام وعدم الذهاب إلى الفوضى وتحمل هذه السلبيات أولى من تحمل ما هو أفسد وهو الحرب الأهلية.

إذا حتى عندما أقول نحن نؤيد قيام دولة أنا لا أقول كلاما سياسيا استهلاكيا وإنما أقول كلاماً سياسياً مستنداً إلى رؤية فكرية وفقهية وأيديولوجية. يعني نحن في لبنان على مساحة الوطن نؤمن بقيام دولة وأن هذه الدولة يجب أن تبسط سلطتها على الأراضي اللبنانية وان تكون هي الحكم بين اللبنانيين وهي التي تدير شؤون اللبنانيين ولكن هذه الدولة يجب أن تقوم بواجباتها تجاه اللبنانيين وليس فقط أن يقوم المواطنون بواجباتهم تجاهها. يعني ليست دولة جباية ضرائب فقط دون القيام بالواجبات تجاه المواطنين. ولذلك إذا أردت أن أختصر لقلت إننا مع دولة قوية، نحن نرفض الدولة الضعيفة. الدولة الضعيفة تؤسس لحرب أهلية وتؤسس لفوضى وتؤسس لعودة الاحتلال. الدولة الضعيفة لا يمكن أن تحافظ لا على سيادة ولا على استقلال ولا على حرية. نريد دولة قوية قادرة ونريد دولة عادلة منصفة.. وفي يوم من الأيام أنا قلت نخفف حتى كلمة عادلة قد يكون تحقيقها صعبا فنقول دولة منصفة دولة معقولة في ممارستها للأمور. حتى الأستاذ «غسان تويني» هو الذي زاد "المقاومة" أنا لم أقل دولة مقاومة أنا تكفيني أن تكون قوية قادرة لتكون مقاومة تلقائيا لكن هو زاد "مقاومة" قلت له جيد مقاومة (يعني للعدو) لا تقبل أن يعتدى على أرضها ومطمئنة.

نحن نقول اليوم أن كل اللبنانيين بحاجة إلى طمأنة، عندما يقف بعض الناس في لبنان ويقولون نحن نخاف منكم طمئنونا، أنا أريد أن أقول أنا أيضاً أخاف منكم طمئنوني. الكل في لبنان بحاجة إلى طمأنة نتيجة أن لبنان كان وما زال على خط الزلزال المحلي الإقليمي الدولي ونتيجة المداخلات الدولية وبالأخص الأميركية الإسرائيلية القوية التي تستهدف لبنان كل لبنان أو بعض من في لبنان. إذا نحن نقول نحن نؤمن بمشروع الدولة ومجمعون على مشروع الدولة ونريد تحقيق مشروع الدولة. وأنا على طاولة الحوار كنت دائما أقول لهم المدخل الطبيعي لنقاش إستراتيجية دفاعية، المدخل الطبيعي لنقاش قصة دولة داخل دولة، المدخل الطبيعي لنقاش كل مشاكلنا في البلد، هو تعالوا لنبحث كيف نقيم هذه الدولة. إذا كان هناك لبناني لديه مشروع آخر فليكن. المفترض أن هذا مشروع وطني ومجمع عليه، ولكن المشكلة كيف نترجم هذا. نحن صادقون في هذا وجديون في هذا ولا نقطع الوقت. وأنا توقفت عند قول البعض تعليقا على كلامي بأننا ندعو إلى دولة قوية قادرة أن هذه غير دولة الطائف. يعني هل دولة الطائف المطلوب منها أن تكون ضعيفة هشة؟! إذن نحن لا نحل مشكلة الوطن نحن نرقع المشاكل، نؤجل المشاكل لتنفجر في أوقات أخرى. نحن نريد هذه الدولة وأنا أكتفي بهذا العنوان وأقول تحت هذا العنوان كل شيء قابل لدينا للنقاش. في مرحلة من المراحل كان المسلمون يخيفون المسيحيين في الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية وأنا أقول رغم أن هذا هو من أدبيات الكثير من المسلمين في لبنان، إذا كان هذا الأمر يدعو إلى إخافة المسيحيين فلتتم مناقشته من جديد، ليس هناك من مشكلة. نحن عندما نريد ونتحدث عن دولة قوية وقادرة وعادلة ومنصفة أيضاً، نتحدث عن دولة مطمئنة لا نريد أن نشطب أحداً ولكننا بالتأكيد لا نريد أن يشطبنا أحد. هذا هو مشروعنا الحقيقي وإذا أرادوا أن يضعوا آليات لمناقشة ولتطبيق خطط وبرامج لقيام دولة حقيقية سيجدون أننا أول الجاهزين لهذا الأمر وليس لدينا أي مشروع خاص.

- هناك أسئلة كثيرة حول قمع من يخالفكم من الشيعة وأنكم تأخذون على عاتقكم وكالة حصرية بالتحدث عنهم أو اتخاذ قرار منفرد بالمواجهة المنفردة مع إسرائيل وأنكم دمرتم الشيعة؟

هذا مجافاة وخلاف للواقع. الذي دمر هو إسرائيل وهي التي قررت شن الحرب. وهذا جزء من تحميل الضحية مسؤولية ما يجري وتبرئة الجاني والجلاد. هذا من جهة ومن جهة أخرى لو أتينا إلى طبيعة الحرب. إسرائيل عندما استهدفت المقاومة كانت تريد أن تخرج لبنان من معادلة الدفاع عن نفسه. البعض يقول إن المطلوب إخراج لبنان من الصراع العربي الإسرائيلي وأنا برأيي أن لبنان حتى قبل العام ألفين وحتى العام 2006 لم يكن جزءا من الصراع العربي الإسرائيلي الشامل. بالضبط كان لبنان في موقع الدفاع عن نفسه. هم الآن يريدون إخراج لبنان من الموقع الدفاعي. يعني أن تكون صورة لبنان صورة من يتسول الحماية ويقف على أعتاب الكبار من اجل أن يقدموا إليه الطمأنة أو الأمن أو الاستقرار والسلام وبالتالي أن لا يكون قادرا على انجاز الدفاع عن نفسه أو الرد عن نفسه ولو في الحدود التي كان يملكها حتى الآن.

لهذا الهدف شنت إسرائيل الحرب على لبنان. لبنان كله دفع الثمن ولو أن الشيعة دفعوا الثمن الأكبر. أصلاً هم شكلوا منذ العام 1982 حتى العام 2006 الحاضنة الأولى للمقاومة وان كانت لها حاضنات في بقية الطوائف. ثم هناك خصوصية أخرى هي أن الشيعة في منطقة المواجهة. يعني لو كان الجنوب اللبناني بأغلبيته من لون طائفي آخر سواء أكان مسلما سنيا أو مسيحيا لكنا وجدنا بشكل طبيعي أن الأغلبية السنية أو المسيحية هي التي تحتضن المقاومة المتواجدة في بيئتها الطبيعية قرب الحدود. هناك أمر جغرافي قهري فرض هذه الحقيقة. الشيعة عندما احتضنوا المقاومة كانت خيارهم وقناعتهم وإيمانهم. الكل يعرف كيف تتحرك المقاومة وتعمل في الوسط الشيعي. ليس هناك مثلا أي نوع من التجنيد الإجباري كما كان يحصل مع بعض الميليشيات في زمن الحرب الداخلية. منذ العام 1982 وحتى اللحظة، لم يحصل في أي يوم من الأيام تجنيد إجباري. لم يحصل قمع ولم يعاقب أي إنسان على قناعته ورأيه، بينما في الكثير من الساحات، تجاوز الأمر القمع في فترة الحرب الأهلية وبلغ حد التصفيات والاغتيالات سعيا إلى فرض منطق الحزب الواحد والقائد الواحد والزعامة الواحدة وهذا لم يحصل عندنا أيضاً.

ما حصل وهو لا يعجب البعض، أن الاحتضان للمقاومة وقيادتها هو احتضان شعبي حقيقي وصادق. الناس يحتضنون المقاومة بقناعتهم وإرادتهم ودموعهم ودمائهم وأموالهم وأولادهم.

أنا قرأت في «السفير» المقالة الأخيرة للأخ الدكتور «عزمي بشارة» ونقده لهذه الشعارات وأنا اقبل هذه الملاحظات لكن هذا مظهر جديد وطارئ.

نحن منذ العام 1982 وحتى 11 تموز ,2006 لم نسمع في أدبيات الناس أن عائلة يهدم بيتها في بيروت والجنوب أو البقاع ويسقط من أولادها شهداء وتقول إن ذلك فداء أقدام المقاومة والمقاومين وقيادة المقاومة. قبل 11 تموز لم نكن نسمع ذلك في أدبياتنا... من أيام الشهيد السيد «عباس الموسوي» وحتى اللحظة. منذ 12 تموز الماضي حصل شيء له علاقة بحجم الاستهداف والضغط وطبيعة الحرب وأسطورية ما قامت به المقاومة. الصمود جعل الناس العاديين الطيبين الصادقين يعبرون عن ثباتهم وصمودهم وأحياناً سخطهم وغضبهم بهذه العبارات. وأمام ما حصل من خذلان كبير وكان الناس يسمعون ويشاهدون ما يجري من حولهم في كل العالم. هذه التعابير هي مظهر وليست ثقافة ولن نقبل أن تتحول كذلك. هؤلاء الناس ودموعهم وآلامهم وفلذات كبدهم أغلى وأقدس من الحزب وقيادته لا بل أنا وكل إخواني في القيادة فداء لهؤلاء الناس وكراماتهم وحفظ ماء وجههم وان يبقوا أعزاء شرفاء.

ما كان يصدر في الأسابيع الأخيرة عن الناس مجرد تعبيرات صادقة. لا نعطيهم مالا أو حصصا تموينية أو أية إغراءات مالية أو خدماتية طمعا بالمدح أو لكي يكونوا إلى جانبنا سياسيا. هم يقدمون الغالي والنفيس من منازلهم وأولادهم ويتهجرون ويستمرون في ترداد عبارات الوفاء للمقاومة. هذا إن دلّ على شيء إنما على أن المقاومة ليست حالة مفروضة قسرا على الشيعة إنما هي حالة نابعة من إيمانهم وقناعتهم والتزامهم وفكرهم وعاطفتهم وحتى تشخيصهم للمصلحة.


ولأن البلد طائفي للأسف الشديد، فان كل استطلاعات الرأي قبل الحرب وخلالها وبعدها، ومن جهات متعددة كانت عندما تتناول مسألة الصراع مع العدو وموقع المقاومة وعمليات المقاومة، تعطي المقاومة بين 85 و95 بالمئة عند الشيعة، أي هناك شبه إجماع على فكرة معينة. طبعا هذا لا يلغي وجود مساحات نخبوية معينة تختلف معنا وهذا أمر طبيعي ودليل عافية.

- البعض يقول إن هؤلاء يتعرضون للقمع وانه غير متاح لهم التعبير عن رأيهم؟

الحقيقة أنهم يعبرون عن رأيهم عبر الشاشات والإذاعات وفي الصحف وهم ينتقدون وبشدة، ولم يتعرضوا في أي يوم من الأيام منا لأي ضغط من أي نوع كان. أقول أكثر من ذلك، بأنه لا يوجد في العالم حزب بقوة وشعبية «حزب الله» وبعد حرب تموز وأسطورية مقاومته للجيش الذي كان يقال عنه إنه الجيش الذي لا يقهر، ومع ذلك، هو موجود في بلد يسمح بأن يتم تناوله يوميا في الإعلام ومن قبل الذين يعتبرون قيمة فكرية أو سياسية أو اجتماعية أو الذين لا قيمة لهم على الإطلاق، ومع ذلك الجميع يعبرون عن رأيهم دون أن ينالهم أي شيء منا. واكرر أننا لسنا بوارد ذلك أصلاً وأنا لا امنن أحداً لأن هذا في صلب أخلاقنا وقيمنا أن نتحمل وان تكون لكل إنسان فرصة للتعبير عن الرأي.

طبعا هذا لا يمنع الناس من أن يسخطوا من هذه الآراء. هل يتصور أحد أن عليه أن يخوّنك ويشتمك وان يسيء إليك والى الشهداء والذين يتألمون ثم يتوجب على الناس الطيبين عندما يلقونهم على أعتاب منازلهم المدمرة أو قبور أولادهم الشهداء أن يسارعوا إلى تقبيلهم والتصفيق لهم؟ ردة الفعل الطبيعية من هؤلاء الناس الذين دمرت منازلهم واستشهد أولادهم أن يعبروا كيفما شاءوا بالوجوه الكالحة أو الغضب ولكن في كل الأحوال ومهما كانت ردة فعلهم يستطيع أولئك الأشخاص أن يعيدوا التأكيد على مواقفهم نفسها وان ينتقدوا ولا أحد يتعرض لهم بأي سوء.

- هل تعتبرون أن هذا الهامش ضرورة أم لا؟

هذا حق شرعي. لا أقول ضرورة أو لا ضرورة.

- هناك حديث نبوي يقول إن في اختلاف الأئمة رحمة للأمة..؟

الإجماع يكون عادة أقوى من الخلاف وأفضل منه في قضايا ذات طابع وطني. من لديه رأي آخر يمكن أن يتمسك به ويدافع عنه. صحيح أن الاختلاف رحمة ولكن لم يقل خلاف أمتي رحمة. هناك فارق بين الخلاف والاختلاف. نعم توزيع الأدوار والتنوع والتعدد رحمة.

- إلى أي حد ارتجّت علاقتكم في موضوع العلاقة مع المملكة العربية السعودية خاصة بعد البيان الأول الذي تحدث عن المغامرة غير المحسوبة. أين أنتم اليوم من المملكة وهل هناك عتب ام خلل في التواصل وتبادل الآراء أم أن ما جرى كان عارضاً وهل تجددت الاتصالات مع السعوديين؟

بالنسبة إلى ما صدر من مواقف عن السعودية في البداية وكذلك البيان الصادر عن القمة المصرية الأردنية وأجواء الاجتماع الأول لوزراء الخارجية العرب في القاهرة، بالحد الأدنى وإذا أردنا أن نخفف لهجتنا نقول إنه كان من حقنا أن نعتب ولا يجوز أن يحزنوا أو يتألموا.

لا أريد أن أقول لهم ما هو تقييمنا لموقفهم وخاصة حديثهم عن المغامرة غير المحسوبة وما شاكل. أنا أحيلهم على «إيهود أولمرت» وكيف وظف الإسرائيلي والأميركي هذه المواقف لتغطية الحرب الإسرائيلية الأميركية على لبنان، طبعا وان كان الإسرائيليون قد استندوا إلى أكثر مما قيل في البيانات الرسمية العربية المعلنة عندما تحدثوا عن اتصالات تقوم بها حكومات عربية من اجل أن تبارك لهم حربهم على لبنان وتدعوهم للاستمرار فيها حتى القضاء على «حزب الله».

في هذا الشق الذي يدعيه الإسرائيليون نحن لا نريد أن نصدقهم نهائيا. لكن من خلال قراءة المواقف الرسمية العربية المعلنة من الحرب على لبنان والمقاومة وهم أصدروها رسميا، بالحد الأدنى أقول: قصدتم أم لم تقصدوا فلقد شكل موقفكم غطاء للعدو أو بالحد الأدنى، تخليا عن لبنان وعن المقاومة فيه التي قلتم جميعا إنكم تعتزون بها في العام ألفين وقمتم بتهنئتها بانتصارها. نحن لا نريد اليوم الوقوف كثيرا عند ما حصل. نحن نتعظ مما حصل ونحاول اخذ العبر والاستنتاجات والدروس.

أنا قلت في أيام الحرب أننا لا نريد قطيعة مع أحد. نحن نريد أن يزداد عدد الأصدقاء لا أن يتراجع. ولذلك قلت واكرر أننا منفتحون لترميم هذه العلاقات من حيث كانت علاقات لأنه في بعض الأماكن لم تكن هناك علاقات ولا أي اتصال: مثلا بيننا وبين الأردن لا وجود لاتصال أو علاقات من أي نوع كان. نعم كانت هناك علاقات تتطور وتتحسن مع المملكة العربية السعودية. هناك بدايات مع المصريين وهناك اتصالات مع أكثر من بلد عربي.

بالنسبة للدول العربية التي نعتب عليها، بفعل موقفها نحن نرى أنه من الطبيعي أن يسعوا هم ونسعى نحن إلى ترميم العلاقات لما فيه المصلحة العربية والإسلامية والمصلحة الوطنية لكل بلد.

في ما يخص الأخوة السعوديين، إذا كان هناك عتب فهو أكبر، لأن العلاقة معهم كانت متطورة وحصلت لقاءات كثيرة بيني وبين السفير السعودي في بيروت الدكتور «عبد العزيز خوجة» وكذلك مع مسئولين سعوديين جاؤوا إلى بيروت. كما أن الملك «عبد الله بن عبد العزيز» قال كلاما طيبا في أكثر من مناسبة سواء في ما يتعلق ب«حزب الله» والمقاومة أو بالنسبة إليّ شخصيا... حتى أنه قبل أسبوع من الحرب نُقل عن الملك عبد الله قوله إن السيد «حسن نصر الله» هو ابننا العزيز ونحن نوصي به ونراهن عليه... الخ.

- وجهت الدعوة سابقا إليكم لزيارة المملكة وقيل الكثير عن سبب عدم تلبيتها؟

نعم وجهت الدعوة إليّ لزيارة المملكة، وطالما أن الموضوع أثير في وسائل الإعلام، فسأتطرق إليه. عندما ابلغني السفير السعودي في بيروت الدعوة قلت له إنني اقبلها من الناحية السياسية والأخوية وأنا اعتز بها ولا مشكلة سياسية بتلبيتها إنما المشكلة أمنية وأنا لا استطيع أن أسافر ولذلك لم اذهب إلى الحج منذ العام 1986 ليس لأنني لا أحب الذهاب إلى الحج بل لأسباب أمنية أيضاً طالما أن أمنية كل إنسان مسلم وخاصة المتدين أن يذهب إلى الحج. أنا محروم من هذه النعمة ومن تأدية العمرة وكل سنة كانت توجه إليّ الدعوة إلى الحج كنت اعتذر لأسباب أمنية.

المقصود أنه لم يكن لدينا أي تحفظ سياسي على الدعوة لزيارة المملكة. أنا فهمت في المقابل، أن بعض المسئولين في المملكة يعتقدون أن ما يحول دون تلبيتي للزيارة توصيات إيرانية وسورية. هذا غير صحيح نهائيا. على كل حال سوف تأتي الأيام وتثبت أن أكبر حركة سياسية استقلالية في لبنان عن أي محور أو دولة هي «حزب الله» ولكن أريد أن أصحح الاستنتاج الخطأ لدى بعض المسئولين في المملكة وأقول لهم إنه عندما عرف الإيرانيون والسوريون بوجود الدعوة بادروا إلى تشجيعي على تلبيتها وقالوا إن ذلك من شأنه تطوير العلاقات أكثر مع المملكة وذلك على عكس ما يظن بعض المسئولين السعوديين. حقيقة الأمر واكرر ذلك أن السبب أمني بحت وأنا أبلغت السفير السعودي في بيروت إنني شخصيا لا استطيع الذهاب لكن أي أخ آخر في الحزب يمثل الأمين العام سواء في شورى القرار أو الوزير «محمد فنيش»، وقلت لهم هذه الأسماء عندكم، ومن ترغبوا باختياره ودعوته من «حزب الله» من دون أن أحرجكم أنا بالتسمية، يذهبْ كممثل عني شخصيا وعن قيادة الحزب وأنا أفوضه بما قد يناقش معه من قضايا، لكنهم لم يعطوا جوابا وهذا قبل الحرب الأخيرة. اكرر الأسباب أمنية وليست سياسية ونحن مهتمون كثيرا بالعلاقة وتطويرها وتحسينها.

- يمكن القول إنه كان من حقكم أن تعتبوا؟

هذا السبب جعلنا نعتب أكثر. نعم نحن نسير وإياكم معا بهذا الاتجاه منذ فترة طويلة وفي لحظة مصيرية وحساسة ودقيقة يقال عنا ما قيل. نعم كان من حقنا أن نعتب لكن في كل الأحوال الآن هناك أصدقاء مشتركون لبنانيا سعوا لإعادة التواصل والاتصال وليست لدينا أية موانع في لك، لا بل حصلت في الآونة الأخيرة اتصالات وان شاء الله الأمور تتحسن إلى الأمام.

- ألم يحتف «حزب الله» بأمير قطر أكثر من اللازم في الضاحية الجنوبية خاصة أن موقع قطر الإقليمي معروف وكذلك صلاتها؟

في العموم اتصالاتنا مع جميع الأخوة الخليجيين ما زالت مستمرة كما كانت في السابق. بالنسبة لأمير قطر هو أول زعيم عربي يزور الضاحية الجنوبية وهذا الأمر له قيمة خاصة عندنا واي زعيم عربي يزور الضاحية سنتعاطى معه بنفس الطريقة وهذا أمر له علاقة بلباقات الضيافة والتقدير للزيارة وبمعزل عن التقييم السياسي من جوانب أخرى.

- ولكن الأمر نفسه لم يحصل مع زعيم دولي مثل «كوفي أنان»»؟

اعتقد أن الصورة التي تقدم عن «حزب الله» بانه حزب حديدي قد تكون صحيحة في ما يتصل بأعضاء الحزب ولكن الجمهور وأهل الضاحية الجنوبية لا علاقة حديدية بيننا وبينهم. نعم الإخوان الذين رتبوا زيارة «أنان» إلى الضاحية فوجئوا ببعض الأشخاص وطريقة تصرفهم مع الأمين العام والوفد المرافق. يمكنكم بكل الأحوال العودة إلى الصور ومن خلال ملامح الذين احتشدوا يمكن تقدير أنهم ليسوا أعضاء في الحزب. هم من الجمهور. من الضاحية أم لا؟ لا أدري. لم ندقق في الأسماء والهويات. لكن يبدو أن هؤلاء لديهم ملاحظات على أداء الأمم المتحدة خلال الحرب وربما يكون أكثر ما استفز هؤلاء الأشخاص وجود «تيري رود لارسن» ضمن الوفد، وهذه التوضيحات التي أسردها إليكم ربما تكون قد قدمت إلى الأمين العام لأننا كنا بالفعل حريصين أن نتعاطى بلباقة واحترام مع زيارته إلى بيروت.

- هل هناك اتصالات حاليا مع المصريين؟

ربما تحصل في وقت قريب أو تعود الاتصالات كما كانت مع العلاقات الدولية في «حزب الله». طبعا مع السفير المصري «حسين ضرار» لم يحصل أي لقاء ثنائي بيني وبينه بل ربما التقى بعض نواب الحزب في المجلس النيابي أكثر من مرة.

- بالنسبة إلى المساعدات العربية هل كانت ترقى إلى ما كنتم تتوقعونه؟

مع التقدير والشكر للدول العربية التي أعلنت عن مساعدات إلا أن ما أعلن لا يرقى إلى الكرم العربي ولا يتناسب مع احتياجات لبنان لإعادة البناء والإعمار.

- هل يمكن القول أن «حزب الله» الشيعي صار زعيما للعرب السنة في المعركة مع إسرائيل، وكيف تقيمون تعاطي الأنظمة والشعوب في العالمين العربي والإسلامي؟

طبعا قرأت أو سمعت الكثير بأن فلانا أو أن «حزب الله» بات يشكل زعامة عربية أو إسلامية أو شيئا من هذا القبيل. أنا أريد التدقيق ولا أتصور أن التعبير دقيق. نعم أقول إن «حزب الله» أو أنا شخصيا صرنا نحظى باحترام كبير في العالمين العربي والإسلامي وبثقة ومصداقية نتيجة السلوك والتضحيات والصمود والانتصار والانجاز وكون المواجهة مع عدو هؤلاء جميعا من العرب والمسلمين. أنا بحسب فهمي هذه هي حدود الأمر. اما حماسة البعض ومحاولة تقديم ما حصل للحديث عن زعامة عربية تريد أن تقود العالم العربي أو تحدث تغييرا في العالم العربي، هذا فيه الكثير من المبالغة لأن الأمور ليست كذلك.

بين هلالين، هذا يزيد من مشكلتنا والحزب لا يطرح نفسه قائدا لا على مستوى لبنان ولا العالم العربي، وأنا على المستوى الشخصي لا اطرح نفسي قائدا لا على مستوى «حزب الله» ولا العالم العربي. واستطيع القول في محصلة ما جرى أنه في ضوء الحرب، إضافة إلى انتصار المقاومة في العام ألفين وسلوك «حزب الله» في الصراع مع العدو الصهيوني، وموقفه في الموضوعين الفلسطيني والعراقي، فان الانتصار والصمود الأخير جاءا من اجل أن يعطيا الحزب والمقاومة في لبنان مكانة واحتراما ومصداقية في العالم العربي وليقدما المقاومة رمزا ونموذجا وقدوة وعبرة يمكن الاستفادة منها واستلهام تجربتها في مواجهة أعداء الأمة والعمل على تحرير المقدسات. بحسب فهمي فان ما أقوله ليس من باب التواضع بل من زاوية الواقعية.

- هناك معنى كبير لارتفاع صوركم وإعلامكم في جامع الأزهر في القاهرة؟

أنا لا اقلل من هذه النتيجة وهذا أمر تاريخي بأن يحصل حزب لبناني مقاوم على كل هذا التقدير والاحترام والمحبة والاحتضان في العالمين العربي والإسلامي حيث الأغلبية سنية وان من يحظى بالتقدير هو حزب شيعي. هذا بحد ذاته انجاز تاريخي وأنا لا اقلل من قيمته.

أيضاً يهمني أن أشير إلى أن تفاعل الشعوب العربية والإسلامية والنخب السياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية والفنية كان تفاعلا كبيرا وعظيما جداً. نعم بكل الأطياف العروبية والقومية والإسلامية واليسارية والليبرالية كان التفاعل مهما. كانت هناك تقريبا نقطة إجماع مضيئة هي الوقوف إلى جانب المقاومة في لبنان.

- ماذا عن تداعيات ذلك على موضوع قطع دابر الفتنة السنية الشيعية خاصة أنكم عملتم كثيرا في هذا الاتجاه؟

نعم وهذا هو العنصر الأهم على صعيد تداعيات الحرب. إن النتائج أكبر بكثير من التضحيات ولا يجوز أن يأخذ وهج التضحيات شيئا من حجم الإنجاز والنصر الذي تحقق وفي مقدمة النتائج الموضوع المتصل بالسنة والشيعة. نعم المشروع الأساسي بعد الغزو الأميركي للعراق، والذي ما زال يهدد هذا البلد العربي ومن خلاله كل الأمة العربية والإسلامية ويعمل له أميركيا وإسرائيليا هو مشروع الفتنة الساحقة والماحقة التدميرية التقسيمية بين السنة والشيعة. يعني المطلوب ليس أن نقسم العالم العربي إلى دويلات سنية وشيعية بل يجب أن تكون دويلات متقاتلة في ما بينها وان تدمر بعضها والنموذج العراقي شاهد على ذلك. هذا ما نراه في العراق وهذا ما يريده الأميركيون والإسرائيليون من اجل تعميمه في العالم العربي والإسلامي كله. حصل تحريض كبير بوسائل مختلفة بعد غزو العراق خاصة عبر وسائل الإعلام من اجل زيادة الشرخ المذهبي في المنطقة. نعم هناك قلق كبير في العالم العربي والإسلامي من انفجار شيعي سني وهو قلق مشروع وصحيح وواقعي لكن أهمية ما حصل في مواجهة الحرب الإسرائيلية على لبنان والمقاومة، أن «حزب الله» من خلال المقاومة، استطاع خلال السنوات الماضية أن يشكل جسر اتصال وحوار وإعادة ترميم ثقة أو معالجة أزمة الثقة التي كانت تنشأ بين السنة والشيعة في هذا البلد أو ذاك، مع العلم إن «حزب الله» كان يقوم بهذا الدور في غالب الأحيان بعيدا عن وسائل الإعلام.

جاءت هذه الحرب وشكل احتضان الأمة العربية والإسلامية للمقاومة و«حزب الله» المعروف بحسب التصنيف المذهبي أنه شيعي، نوعا من التحصين إلى درجة كبيرة جداً للواقع الإسلامي.

- هل يمكن القول إن مشروع الفتنة انتهى في المنطقة ولبنان؟

لم نقطع الطريق عليه مئة بالمئة وإنما تم تحصين الساحة إلى حد كبير جداً وعلى قاعدة لا تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ربما بعض الفتاوى التي صدرت في الأيام الأولى للحرب كانت لها آثارها الإيجابية.

- بأي معنى؟

بمعنى أنها دفعت تقريبا كل المخلصين والحريصين في الحركات الإسلامية السنية وعلماء السنة الكبار ومعظم الأطر الإسلامية السنية على امتداد العالم العربي والإسلامي إلى اتخاذ موقف. لقد شعروا جميعا أنهم معنيون وهنا يمكن لنا أن نسجل مواقف متقدمة جداً لبعض العلماء الكبار أمثال سماحة الشيخ «يوسف القرضاوي» الذي يحظى باحترام كبير في العالمين العربي والإسلامي لجهة موقعه الديني والعلمي وهو موقع شبيه بموقع المرجعيات الدينية عند الشيعة. هناك حركات إسلامية وعلماء سنة آخرون وكثيرون لا مجال لتعداد أسمائهم في لبنان والعالم العربي والإسلامي، لكن اسمحوا لي بوقفة خاصة عند الموقف المميز الذي أطلقه سماحة الشيخ «مهدي عاكف» المرشد العام لل«إخوان المسلمين» والذي تجاوز مجرد التعبير السياسي أو الديني أو الفقهي الطبيعي إلى مستوى المحبة والمودة واللهفة والاحتضان العاطفي وهو الموقف الذي كان له أثره الكبير على مستوى حركة الإخوان المسلمين في العالم. هذا أمر مهم جداً واكرر أن مواقف كثيرة صدرت لا مجال لتعدادها بينها موقف مفتي سوريا الذي نقدره تقديرا كبيرا وأيضاً الشيخ الدكتور «محمد سعيد البوطي» في سوريا والشيخ الدكتور «محمد سليم العوا» في مصر، وأتوجه عبر «السفير» من كل العلماء بكل شكر وتقدير ومحبة واعتذر عن عدم ذكر أسمائهم واحدا واحدا، لأن اللائحة ستكون طويلة جداً جداً، نعم مواقفهم تجاوزت البعد السياسي وأنا سمعت الكثيرين منهم يقولون إن الشيعة هم مسلمون مثل إخوانهم السنة. وكما أنه بين المذاهب الإسلامية السنية هناك اختلافات وفروع عقائدية وفقهية، أيضاً داخل الشيعة هناك اختلافات. وإذا أضفنا إلى ذلك احتضان الشارع العربي والإسلامي وتعبيراته السياسية والعاطفية والشعبية... فإن هذا كله سيؤدي إلى تحصين كبير جداً للواقع العربي والإسلامي، بما يؤدي إلى إشعار السنة والشيعة أنهم في مواجهة عدو مشترك واحد وتهديد واحد وخطر واحد ومصير واحد ومعركة واحدة. وأنا برأيي هذا من بين أهم النتائج الإستراتيجية التاريخية عندما قلت إننا نواجه نصرا استراتيجيا تاريخيا ولم أقم بتفصيل معنى هذه الجملة.

نعم هذا من أهم انجازات المعركة التي لم نقصدها. أنا دائما أتحدث عن نتائج ولا أقول الأهداف. المقاومة عندما وقفت وقاتلت في لبنان كان لها هدف واحد هو رد العدوان والدفاع عن لبنان وعندما صمدت وانتصرت ترتب على ذلك مجموعة نتائج كبيرة جداً وهذه واحدة من أهم النتائج التي تحققت والأهم أن نواصل العمل في المستويين العربي والإسلامي لتحصين هذه النتيجة وتثبيتها وتوظيفها وتثميرها في إخماد ساحات التوتر المذهبي وفي مقدمتها الساحة العراقية.

أيضاً اسمحوا لي بالقول إنه في جزء من العالم الإسلامي غير العربي كانت هناك مستويات عالية جداً من التفاعل لم تعكس إعلاميا حتى بالحد الأدنى. مثلا في إيران كان التفاعل الشعبي والرسمي يرقى إلى مستوى الاهتمام بثورة الأمام الخميني في أيامها الأولى. وقد نقلت إليّ أجواء ومناخات مذهلة من الشارع والإعلام والنخب والجامعات.

إذا ذهبنا إلى الباكستان واندونيسيا وماليزيا أيضاً كان التفاعل كبيرا جداً وهذا أيضاً من النتائج الإستراتيجية الكبيرة والتاريخية. لأنه خلال عقود من الزمن تم تحويل موضوع الصراع مع العدو الإسرائيلي إلى صراع عربي إسرائيلي وبالتالي تم إخراج الدول الإسلامية وشعوبها غير العربية من دائرة الصراع بل حتى من دائرة الاهتمام به. المعركة الأخيرة أعادت الاهتمام كما كان عليه في البدايات على مستوى الدول الإسلامية غير العربية شعوبا وحكومات وإعلاما ونخبا الخ...

- هل دفن مشروع الفتنة السنية الشيعية نهائيا في لبنان؟

في أوج الصدامات والمخاوف في العراق والقلق من امتداد المشهد العراقي إلى الدول المجاورة ومنها لبنان، أنا شخصيا لم أكن خائفا على لبنان وعلى الوضع السني الشيعي في لبنان ولا أؤمن أصلاً بإمكان قيام فتنة سنية شيعية في لبنان والآن صرت مؤمنا أكثر بهذا الموقف. نعم قد تكون هناك بعض الحساسيات والتوترات السياسية ولكن الحديث عن فتنة سنية شيعية في لبنان هو حديث غير واقعي تماما كالحديث عن فتنة بين المسلمين والمسيحيين وهو أيضاً للتهويل أكثر من أي شيء آخر.

- لننتقل إلى ملف الإعمار، الرئيس «السنيورة» يقول إن الحزب يريد أن يقتصر دوره كما فهم بموضوع الاستئجار لمدة سنة للمدمرة منازلهم وبالأثاث فقط ويعني ذلك الإشارة إلى تراجعكم عن التعهد الأول بالإعمار؟ هل هذا الاستنتاج صحيح؟

أبداً غير صحيح، أنا في اليوم الأول لوقف الحرب وكذلك يوم الاثنين وفي المقابلة مع «نيو تي في» ومع الرئيس «السنيورة» والآن اكرر نحن ملتزمون وقد وعدنا الناس ونحن ما زلنا عند وعدنا. الوعد هو أن تعود بيوتهم وممتلكاتهم كما كانت لا بل أفضل مما كانت. يعني إعادة الإعمار. نحن أعلنا هذا الالتزام. بعد الإعلان من جانبنا قلنا بوجود مراحل عدة، الأولى، أسميناها مرحلة إيجاد البدائل المؤقتة لأن الإنسان في هكذا حالة قد فقد منزله ودمر أثاثه. هذا ما قررناه للبيوت المهدمة كليا ونفذ. ما لم يعلن عنه ولكن عمليا نفذ هو أن البيوت المهدمة جزئيا والتي يتعذر السكن فيها لأشهر قمنا أيضاً بدفع بدل إيجار ولستة أشهر أو أكثر أو اقل للمهدمة جزئيا بالإضافة إلى بدل الأثاث المنزلي في حال تلفه كاملاً أو تعويض ما تلف جزئياً.

ومن اجل معالجة الوضع الاستثنائي القائم، لأنه حتى الدولة إذا كانت ستدفع بدل أثاث متى؟ تدفع بعد الإعمار النهائي. يعني أن هذه العائلة ستبقى بلا منزل وأثاث إلى أن تنجز نهائيا إعادة الإعمار. هذا ما التزمنا به ووفينا به واعتقد أن الضاحية ربما تكون انتهت والبقاع انتهى وشمال الليطاني انتهى أيضاً. جنوب الليطاني لأن العدد فيه كبير وبسبب صعوبات لوجستية بنسبة كبيرة انتهى ولكن يحتاج إلى 15 يوما بحد أقصى من اجل انجازه كليا. أي انجاز كل ملف البديل السكني المؤقت بما في ذلك الأثاث.

موضوع الترميم دخلنا عليه بالطريقة السهلة المتيسرة أي إذا جئنا لعائلة لترمم حائطا أو تركب نافذة أو بابا ويكفل ذلك لها السكن، هذا ممتاز. هم يتولون ذلك ونحن نقدم مساعدات مالية. هذه العائلات ستحصل على مساعدة ترميم موازية من الدولة ولكن هذا لا يتنافى مع التزامنا تجاههم لأننا نحن ندفع أيضاً وإذا أرادوا ليعتبروا أن ما نقدمه نحن كمساعدة ترميم هو عبارة عن هدية لهم.

الهم الأكبر هو إعادة ما تهدم من بيوت كليا. نحن ملتزمون بما كنا أعلنا عنه سابقا. جاءت الدولة وقالت إن هذه المهمة من مسؤولياتها وأنا لا أنكر أنها كذلك، والذي حصل بالضبط وهذا ما شرحته في آخر مقابلة تلفزيونية نحن لم نتصل بالرئيس «السنيورة» ولم نقل له نحن لسنا قادرين على إعادة بناء البيوت التي هدمت. هذا لم يحصل على الإطلاق. ولم نقل له نحن نطلب مساعدتك. هذا لم يحصل قطعا. بل الذي بادر مشكورا هو الرئيس «السنيورة» الذي اتصل وطلب اللقاء بنا من اجل مناقشة ما سنقوم به بموضوع الإعمار (حتى اعرف كحكومة ماذا بإمكاني أن أقوم بالمقابل).

بعد أسبوع لم تكن الحكومة تدري ماذا ستفعل. نحن كان ردنا أن تأمين البديل والأثاث هذا أمر التزمنا به ونفذناه تقريبا. بالنسبة إلى الترميم وإعادة بناء البيوت المهدمة هي مسؤولية الدولة. هذا يفهم منه أننا لسنا قادرين ولا نستطيع ذلك، هذا أمر غير صحيح. هذه مسؤولية الدولة ولكنه وعد منا أيضاً. إذا قامت الدولة بهذه المسؤولية سقط التكليف عنا وفي أي مكان لن تتحمل الدولة مسؤولياتها بالشكل المطلوب نحن سنتحمل المسؤولية لأنه للناس في رقبتنا وعد.

الرئيس «السنيورة» أعلن بعد مداولات مباشرة معنا ومع الرئيس «بري» وباتفاق مع الرئيس «بري» مباشرة أنه في الجنوب والبقاع سيتم دفع خمسين مليون ليرة للوحدة السكنية و10 ملايين ليرة بدل أثاث منزلي ضمن آلية على دفعتين وأخيرا الأثاث. أما بالنسبة إلى الضاحية الجنوبية، فقد تألفت لجنة تتمثل فيها الجهات المعنية بما في ذلك نحن والأخوة في «أمل» ومهمتها درس كيفية التعاطي مع موضوع الضاحية الجنوبية وهذا الأمر سيبت قريبا.

إذا أرجئ النقاش حول الضاحية يبقى البقاع والجنوب، في ما يتعلق بالوحدات السكنية، إذا جاءت الدولة اللبنانية أو أية دولة وأخذت الأمر على عاتقها هذا أمر جيد. مثلا دولة قطر أخذت على عاتقها مشكورة أن تبني بنت جبيل وعيناثا والخيام وعيتا الشعب. سوريا أعلنت بلسان رئيسها إنها أخذت على عاتقها مشكورة أيضاً إعادة إعمار بلدات قانا وصديقين والقليلة. عندما تأتي دولة، وضمن آليات سيتفق عليها رسميا، ستتولى إعادة بناء المنازل، يكون عندها تكليفي قد سقط، هل هناك مجالات أخرى لمساعدة أصحاب المنازل التي تمت إعادة إعمارها؟ أنا في خدمتهم. الدولة عندما تأتي وتقدم خمسين مليون ليرة مقابل وحدة سكنية نحن ماذا نقول؟ نقول إنه من حيث المبدأ، هذه العائلة التي ستعيد بناء منزلها، إذا كان المبلغ الذي ستقدمه الدولة كافيا لإعادة بناء ما تهدم كان به وإذا لم يكن كافيا نحن ملزمون بأن نكمل ما يمكن هذه العائلة من إعادة بناء منزلها كما كان. هذا التزام قطعي ولا عودة عنه نهائيا.

- خلال فترة الحرب كيف كان يتم التواصل مع الرؤساء الثلاثة وبقية القيادات السياسية؟

بالنسبة للرئيس «إميل لحود»، كان هناك اتصال دائم بيننا وبينه عبر أحد الوسطاء من إخواننا الذي كان يتمكن من التواصل معه إما تليفونيا أو مباشرة وكنا نضعه بشكل دائم بالمعطيات الميدانية والتطورات السياسية الجارية. وفي كل الأحوال فإن مواقف الرئيس لحود من المقاومة قبل العدوان وخلاله وبعده، هي مواقف مشهودة ومشكورة ومعروفة.

بالنسبة للرئيس «نبيه بري»، تحدثت في بداية الحديث عن التعاون الذي كان قائما معه والتفاهم والتنسيق والخط المفتوح يوميا بيني وبينه.

مع الرئيس «فؤاد السنيورة»، كان هناك أكثر من طريقة للاتصال، أو للحوار، إن من خلال وزراء الحزب في الحكومة أو أحياناً من خلال الاتصال المباشر بين رئيس الحكومة والمعاون السياسي الحاج «حسين خليل». لكن ما كنا نتفق عليه في نهاية المطاف هو ما كان ينجز من خلال قناة الرئيس «نبيه بري» باعتبار أنه كان يتولى الإدارة السياسية للمعركة. دائما كنا سواء على طاولة مجلس الوزراء أو في الكواليس في نقاش دائم مع رئيس الحكومة ونحن حرصنا خلال فترة الحرب كلها على أن تبدو الحكومة قوية ومنسجمة ومجمعة رغم أننا كنا نسجل تحفظاتنا أو ملاحظاتنا أو اعتراضاتنا على بعض النقاط أو المواقف سواء عندما ناقشنا النقاط السبع وخرجنا بإجماع عليها في مجلس الوزراء لكن ضمن مجلس الوزراء كانت هناك تحفظات حول بعض النقاط أو قبلنا بالنقاط السبع كمبادئ عامة ولكن تفصيلاتها تحتاج إلى نقاشات لاحقة وإقرار لاحق في مجلس الوزراء. وكذلك عندما وصلنا إلى نقاش القرار 1701 ونحن لدينا اعتراضات جدية على بعض بنود هذا القرار وأنا قلت أننا نعتبره ظالما وغير منصف ولدينا تحفظات جدية ولكن أيضاً حرصا على وحدة الموقف الحكومي والوطني قلنا إنه تتم الموافقة عليه بالإجماع مع التحفظ.

خلال مرحلة الحرب، حرص «حزب الله» بجد على أن تكون الحكومة متماسكة وان تكون قوية وان يكون موقع رئاسة الحكومة قويا باعتباره الموقع الذي يفاوض دوليا بالنيابة عن لبنان كله. كنا جميعا في المقاومة والرئاسات الثلاث والحكومة وبقية مؤسسات الدولة والقوى السياسية كافة نخوض معركة لبنان بأسره وليس معركة طائفة أو منطقة أو مذهب. طبعا كانت تحصل تباينات ونقاشات حول سبل معالجة موقف معين وما يمكن قبوله أو عدم قبوله وهذا أمر طبيعي ومنطقي وصحي وكان يعالج بالحوار الهادئ وفي النهاية تفضي الحوارات الجادة والدقيقة والمسئولة والمجهدة بسبب حساسية الموضوعات ومصيريتها بالنسبة للبنان والمقاومة، لكن في نهاية المطاف كنا نتوصل دائما إلى نتائج مرضية ومعقولة، وهذا الأمر الذي مكن لبنان بفعل هذا التعاون من أن يخرج بنسبة كبيرة من المحنة التي كان يعيشها.

- هل حصل إشكال ما حتى اضطر الرئيس «بري» لإعلان انسحابه من ملف الأسرى؟

لا لم يحصل أي إشكال مع الرئيس «بري». من المعروف أنه منذ اليوم الأول للحرب بدأ الحديث عن موضوع الأسرى وكون الرئيس «بري» كان مفوضا بإدارة الملف السياسي كله فوضنا إليه أيضاً موضوع الأسرى. أولا بسبب الثقة الكبيرة وثانيا بسبب التجربة الطويلة والمهارة التي يتمتع بها، وثالثا بسبب ظروف الحرب. ولذلك كان من الطبيعي أن نقوم بتوزيع ادوار بحيث يتفرغ بعضنا لإدارة المواجهة العسكرية وبعضنا للمواجهة السياسية، ولذلك كان من الطبيعي تفويضه بقضية الجنديين، حتى عندما تحدث عن اقتصار التبادل على الأسرى اللبنانيين إنما كان يطرح من خلال ذلك الاستفادة نحو ما هو ابعد، أي وقف العدوان الإسرائيلي، وهو شدد على وقف إطلاق النار وثانيا عملية التبادل. أي ربط بين انتهاء الحرب وعملية التبادل، أي أنه كان يريد ثمنا إنسانيا كبيرا جداً وهو وقف الحرب مع إطلاق الأسرى اللبنانيين.

في كل الأحوال، الآن انتهت الحرب وهذا ملف تفصيلي ويحتاج إلى وقت طويل ومفاوضات طويلة وتفصيلية ولذلك قال الرئيس «بري» إنه يفضل أن يتولى الحزب إدارة الملف وخاصة إنه صار يملك القدرة على التحرك وهو يحتاج إلى وقت وأنتم الجهة المعنية فليعد إليكم وأنا كنت أتمنى أن يواصل الرئيس «بري» ولكن لا نريد أن نجهده أكثر مما أجهدناه في فترة الحرب.

- ماذا عن التواصل مع بقية القوى السياسية؟ وتحديدا مع النائب «سعد الحريري»؟

مع الأخ الشيخ «سعد الحريري»، في الأيام الأولى للحرب كانت هناك اتصالات طبيعية بسبب أنه كان موجودا في الخارج وكان الأخ الحاج «حسين خليل» يتواصل معه بشكل دائم ولكن مع اشتداد عمليات القصف والاستهداف للمباني والحزبيين، كان استخدام الهاتف الدولي مشكلة من الناحية الأمنية ولذلك بقي الاتصال يتم بالواسطة، إن من خلال الرئيس «بري» أو من خلال بعض الأصدقاء المشتركين، والاتصال غير المباشر لم ينقطع ووجهات النظر كان يتم تبادلها بصورة دائمة. وبكل الأحوال فإنه بسبب وجود الشيخ سعد خارج البلد وتصدي الرئيس «السنيورة» المباشر بصفته رئيسا للحكومة، كان الجزء الأكبر من النقاشات المباشرة يحصل معه.

- ومع «وليد جنبلاط»؟

خلال فترة الحرب لم يكن هناك تواصل مباشر، مع النائب «وليد جنبلاط». أنتم تعرفون أنه منذ أزمة البيانات والمواقف السابقة لم يعد هناك أي اتصال ثنائي بيني وبينه، كنا نلتقي في إطار طاولة الحوار الوطني. أما خارجها فلم يكن هناك أي اتصال وهذا الأمر استمر خلال فترة الحرب. في الأيام الأولى للحرب أطلق بعض المواقف الإيجابية، أنا طلبت شخصيا من الأخ السيد «نواف الموسوي» أن يتصل بوزير الإعلام الأخ «غازي العريضي» ويبلغ الوزير «جنبلاط» شكرنا على المواقف التي أطلقها في ذلك الحين. لكن لم يرق الأمر حتى الآن إلى مستوى إعادة الاتصال الطبيعي الذي كان قائما بيننا وبينه قبل حوالي السنة.

- هل هناك محاولة حاليا لإعادة هذه العلاقة؟

من جهتنا لم نقفل الباب في أي يوم من الأيام. أنا أقول لك بصدق أنه لا في الإعلام ولا في غير الإعلام. حتى في الكواليس، أحياناً عندما كان يعرض علينا من قبل بعض الأصدقاء المشتركين إعادة الاتصال والتواصل لم يكن لدينا أي مانع وفي يوم من الأيام قلت ذلك في مقابلة تلفزيونية وأضفت أننا في الأساس لسنا نحن من قطع العلاقة رغم الموقف القاسي الذي صدر من جانبنا ردا على توصيفه آنذاك لسلاح المقاومة. كان ردنا نحن لا نريد القطيعة مع أحد. ليست سياستنا أن نقاطع أحداً في لبنان حتى لو اشتد الخلاف السياسي بيننا وبينه، ونحن مستعدون للتواصل والحوار، ورد السيد «وليد جنبلاط» بأن اللقاء يحصل فقط معنا في مجلس الوزراء. المقصود أنه من جانبنا نحن لم نغلق الباب ولم نسع إلى قطيعة لا معه ولا مع غيره.

- ماذا عن بقية القوى الحليفة لكم؟

العلاقات مع مختلف القوى السياسية وخاصة تلك التي تصنف في إطار الثامن من آذار، كانت اتصالاتنا معها دائمة من خلال الأخوة في المجلس السياسي وعدد من النواب الذين أتيح لهم بعد أيام عدة من الحرب فرصة التواصل ومنهم الأخوة في اللقاء الوطني من الرئيس «عمر كرامي» إلى الوزير «سليمان فرنجية» إلى بقية الوزراء والنواب السابقين وكذلك مع الأحزاب الوطنية التي شارك بعضها معنا وسقط لها شهداء أعزاء.

- مع الرئيس «سليم الحص»؟

تقريبا كان التواصل معه شبه يومي وهو كان لا يبخل علينا بالنصائح والاقتراحات والأفكار وكانت كلها تصب في خانة حماية المقاومة والوحدة الوطنية والمصلحة الوطنية العليا، وكان هو يواكب مرحلة الحرب بشكل دقيق. أيضاً الأخوة في «الجماعة الإسلامية» وبقية الأطر الإسلامية والجهات الإسلامية والوطنية والحزبية المختلفة حافظنا على التواصل معهم. كذلك كان هناك اتصال دائم ويومي مع «التيار الوطني الحر» والعماد «ميشال عون» وقيادات وفعاليات مسيحية عديدة.

- اتُّهمت في موضوع الحديث عن حكومة وحدة وطنية ربطا بتنفيذ اتفاق الطائف بأنك تفتح الباب أمام سجال سياسي داخلي؟

في الحقيقة أنا لم أكن في وارد فتح أي سجال سياسي داخلي. أنا أجبت عن بعض أسئلة الوزير «وليد جنبلاط» في المؤتمر الصحافي له. أنا اعتبرت أن جزءا كبيرا من هذه الأسئلة قديم وهو سمع إجاباتها سواء مباشرة مني أو على طاولة الحوار الوطني. لكن السؤال المركزي الذي طرحه وهو سؤال ’مفتاحي‘ إذا صح التعبير، بمعنى أنه يفتح على الكثير من الأسئلة هو ما يرتبط باتفاق الطائف وأنا أجبت عن هذا السؤال وقلت نحن مع تنفيذ كامل بنود اتفاق الطائف بدون أي تردد وإذا كنتم جديين في تنفيذ اتفاق الطائف تعالوا لنبدأ باعتبار أن أهم بند وأول بند واهم شرط لتنفيذ الطائف هو تشكيل حكومة وحدة وطنية كما ورد في الاتفاق نفسه.

- هم ردوا وقالوا إن الأمر ينطبق على الحكومة الأولى بعد الطائف؟

هم حتى الآن، أي الجزء الأكبر من قوى الرابع عشر من آذار، يقولون أمرين أولهما إن حكومة الوحدة الوطنية أو الوفاق الوطني المنصوص عليها في الطائف لم تشكل منذ 16 سنة حتى الآن ويحملون ذلك إلى مرحلة الوصاية السورية على البلد كما يقولون. ثانيهما هم يقولون إن معظم بنود اتفاق الطائف لم تنفذ حتى الآن. عظيم إذا قلنا إن الحكومة لم تشكل والاتفاق لم ينفذ بمعظم بنوده ونريد تنفيذها الآن، فإن المدخل الطبيعي كما ورد في اتفاق الطائف لتنفيذ ما لم ينفذ هو تشكيل حكومة اتحاد وطني. هذا ليس كفرا سياسيا بل هذا إيمان وحرص سياسي على البلد. أنا لا أقول إنكم كحكومة اذهبوا إلى بيوتكم. فريق الثامن من آذار يريد إدارة البلد وان يحكم البلد. لم اقل لكم إننا لا نريدكم في الحكومة ولا في السلطة وعليكم أن ترتاحوا، حتى ينبروا للرد بهذه الطريقة الشرسة والقول إن الحكومة أوقفت الحرب وفعلت وصنعت وعملت وكل ذلك يحتاج إلى تدقيق سياسي. لا يجوز أن نأتي بانجاز ونقول إننا وحدنا قمنا به. هذا الأمر ينطبق على الجميع. أنا اعترف بدور للحكومة وبدور للاتصالات السياسية ولكن القول إن المقاومة وحدها أوقفت الحرب غير دقيق تماما كما القول إن الحكومة أوقفت الحرب وحدها هذا أمر غير دقيق.

من أوقف الحرب هو الخشية الإسرائيلية من الذهاب إلى كارثة عسكرية من خلال استمرار العملية البرية وانسداد الأفق والفشل ثم الفشل ثم الفشل. جاءت الاتصالات السياسية لتوظف الواقع الميداني فتؤدي إلى وقف الحرب. لا أريد أن أناقش الحكومة إذا كانت أنجزت أو لم تنجز، وأنا لست في وارد الخوض في هذا النقاش، لكن إذا هذه الحكومة وهي ليست حكومة وحدة وطنية، عملت انجازات يقولون إنها كبيرة وعظيمة وأنا لا أريد أن أناقش. جيد. لبنان الآن مقبل على تحديات كبيرة وخطيرة وإذا قمنا بزيادة قوة بلدنا ومناعته من خلال حكومة وحدة وطنية فهل نخسر ام نربح؟ إذا حكومة نجحت بتحقيق انجازات فهل يعني إقفال الباب على إمكانية تحصين البلد سياسيا عبر إشراك من تم شطبهم في مرحلة ما؟ إذا توافرت إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة التحديات الكبيرة المقبلة فما هو المانع من ذلك. المنطق الذي تحدثت به هو منطق حرص وليس منطق كيد سياسي وأنا لا استخدم هكذا منطق نهائيا. كما لا استخدم منطق المحاسبة والمزايدة لأن من يريد الثأر من الثاني أو يحاسب الثاني لا يتحدث بحكومة وحدة وطنية، إنما يرفع شعار شطب الحكومة وتشكيل حكومة بديلة وأنا لم أتحدث بهذه اللغة أبداً.

أنا قلت أنتم تريدون تطبيق اتفاق الطائف وبناء الدولة. المدخل الطبيعي لذلك هو تشكيل حكومة وفاق وطني. تعالوا لنشكل هكذا حكومة ولا يرد على هذا الكلام السياسي القانوني الدستوري الوفاقي الحريص بلغة "خيطوا بغير هالمسلة". بأية مسلة يريدوننا أن نخيط؟

- هل تشعر سماحة السيد أن التوازن السياسي غير موجود ضمن الحكومة الحالية؟

التوازن السياسي غير موجود في الحكومة. وهذه الحكومة لا تعبر عن توازن سياسي. بالنسبة إلينا الحديث عن حكومة الوحدة الوطنية غير جديد. هو سابق للحرب ومنذ الأزمة الوزارية التي حصلت.

في نهاية المطاف، حتى عندما نتحدث عن حكومة وفاق وطني نحن لا نستهدف أية جهة سياسية في البلد. ولا نريد أي توجه أو خط أو تيار سياسي. ولا نريد افتعال أزمة سياسية في البلد. نحن ما ندعو إليه هو تعاون الجميع وتلاقيهم وبدلا من أن نشكل طاولة حوار وطني، فلنذهب ونشكل حكومة وحدة وطنية. هذا كلام وطني وليس فئويا ولا طائفيا ولا مذهبيا ولا يستهدف أحداً في السلطة مثلما لا يهدف إلى استرضاء أحد خارج السلطة، خاصة أن البعض حاول القول إننا نريد أن نسترضي بعض حلفائنا أو أصدقائنا في السياسة. أنا أقول لهؤلاء إن المصلحة الوطنية والأخلاقية هي التي تحكم منطقنا ولعل المصلحة الوطنية تكمن في تشكيل حكومة وحدة وطنية من خلال ضم «التيار الوطني الحر» بزعامة العماد «ميشال عون» إليها وقوى سياسية فعلية أخرى في البلد وليس فقط «التيار الوطني الحر». إن حكومة الوحدة الوطنية الحقيقية في البلد هي من خلال تمثيل كل القوى السياسية، وإلا بالمنطق الشعبي الفعلي هناك قوى سياسية في البلد لم توفق بسبب التحالفات في الانتخابات النيابية في أن يكون لها نواب في المجلس النيابي، وهناك قوى سياسية لها نواب في المجلس النيابي ووزراء في الحكومة وهي ليست قوى حقيقية فعلية، أو في الحد الأدنى هي اقل تمثيلا من قوى سياسية غير ممثلة.

عندما أتوجه إلى حكومة اتحاد وطني واعتبر أن هناك أزمة وطنية واستحقاقات وطنية ينبغي أن نواجهها بوسائل وأدوات استثنائية، لا تعود المقاييس والموازين هي التمثيل النيابي. حتى على أساس التمثيل النيابي، أنا لا اقبل بوزيرين في الحكومة إذا كان المعيار هو عدد النواب ومسألة التمثيل النيابي. لذلك أنا أتمنى ألا يستخدم هذا الأمر وإن كان البعض يستخدمه في إطار الإثارة السياسية والمذهبية. تكلمنا بلغة من هو حريص على البلد ومن يريد جمع البلد ولم شمله وتوحيده وإعماره وصيانته ونحن نرى أن منطق الاستئثار في السلطة ولو تحت عنوان أكثرية أو أقلية في هذه المرحلة هو منطق غير مناسب وغير صحيح، وبالتالي فإن هذا البلد كما قلت في احتفال الخامس والعشرين من أيار 2006 يواجه أوضاعا اقتصادية واستحقاقات سياسية وتحديات داخلية وإقليمية لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نضع جميعا كتفا بكتف للمواجهة. البعض يصر في أن يبقي بعض الأكتاف خارج منطق تحمل المسؤولية وهذا غير صحيح.

- سؤال أخير حول أي موقع للبنان على الصعيد الإقليمي في ضوء تداعيات الحرب والقرار الدولي الجديد ووجود خمسة عشر ألف جندي أجنبي على أرض لبنان؟

برأيي أنه طالما هناك قوى سياسية في لبنان لن أدخل في تصنيفها، لا تتلقى الأوامر من السفير «جيفري فيلتمان» ولا تسارع إلى تنفيذ رغبات الأميركيين فلبنان لن يكون ولن يصبح أميركيا. هذه القوى السياسية اللبنانية موجودة ولن يستطيع أن يشطبها أحد. أما تواجد خمسة عشر ألف جندي من «اليونيفيل» على أرض الجنوب اللبناني، فلن يستطيع أن يغير من المعادلة الداخلية شيئا ولا من فاعلية وقوة هذه القوى السياسية الممانعة، وهذه هي تركيبة لبنان وأنا لا يقلقني هذا التواجد أو الانتشار الدولي بل أرى أن بقاء لبنان خارج السيطرة الأميركية هو رهن بإرادة أبنائه وقواه السياسية وهنا نتحدث عن قوى سياسية سيادية واستقلالية حقيقية وربما تستطيع القوى السياسية اللبنانية، وأنا لا أريد أن افرض خياراتي أو صداقاتي على أحد، أن تكون لها صداقاتها وتحالفاتها وعلاقاتها وتحالفاتها وأيضاً لنا صداقاتنا وتحالفاتنا، ولكن المهم هو أن نجلس في الحكومة أو إلى طاولة الحوار أو نجلس في أي إطار وطني لنقرر للبنان كلبنانيين أن لا نكون خاضعين للجهات التي نقيم معها صداقات أو علاقات.

بالنسبة إلى «حزب الله» أنا أدعي أننا نحن كذلك بل أدعي أننا أكثر من ذلك. حتى في علاقتنا مع سوريا وإيران وأنا أتمنى لو تكون علاقة قوى سياسية لبنانية أخرى وتقيم صداقات مع الولايات المتحدة أو غيرها شبيهة أو نظيرة بعلاقتنا بدمشق أو طهران أو بقية أصدقائنا في العالم.

هكذا يمكن أن تكون عندنا حكومة سيادية استقلالية وحياة سياسية سيادية استقلالية وهذا ما نتطلع إليه فقط. واختم بالقول إن لبنان لن يصبح أميركيا والمسألة لا ترتبط بانتشار عسكري أو عدمه. المسألة ترتبط بالإرادة السياسية وهي متوفرة لدى الجزء الأكبر والأغلب من الشعب اللبناني.

(جريدة السفير)